دخلت وزارة التموين بحكومة الدكتاتور عبدالفتاح السيسي في صدام عنيف مع ملايين الفلاحين المصريين، حيث قررت الوزارة السبت 04 يونيو 2022 بتحرير آلاف المحاضر بمحاكم الجنح ضد المزارعين الذين لم يلتزموا بتسليم 12 أردبًا عن كل فدان قمح، وهي الكمية التي كانت ألزمت المزارعين بتوريدها، منتصف مارس الماضي، ضمن تحركاتها لضمان تجميع القمح المحلي في ظل نقص القمح المستورد بسبب الحرب الروسية اﻷوكرانية. ويشار إلى أن قانون العقوبات يعاقب على الجنح بالغرامة أو الحبس الذي قد يصل إلى ثلاث سنوات.
وبحسب مراقبين فإن تهديدات وتحركات وزارة التموين خلال الفترة الأخيرة تعكس وجود أزمة في المخزون الاستراتيجي للقمح، فضلًا عن تخوفها من الفشل في جمع المستهدف من القمح المحلي، للحد الذي دفعها إلى الاستيراد خلال موسم الحصاد المحلي، بعد أسبوعين من تأكيد وزير التموين أن الوزارة لن تستورد قمح خلال هذه الفترة.
ألزم التوجيه الصادر من الوزارة قياك لجان كل وحدة محلية بالمحافظات بحصر المساحات المنزرعة بالقمح، وتحديد المساحات التي تم حصادها بالفعل ومقارنة الكميات الموردة من الأقماح بهذه المساحات، ثم توجيه إنذار للمزارع الذي لم يسلم الكمية المقررة. التوجيه أشار كذلك إلى أن المزارع الذي لا يقدم إثباتًا رسميًا بتوريده الكمية المقررة، أو يتخلف عن الحضور، سيحرر محضر جنحة بحقه، وتحاسبه الوزارة على العجز في كمية القمح المورد بقيمة 1770 جنيهًا للأردب، وهو ضعف ثمن الأردب الذي كان مفترضًا أن تدفعه الحكومة للمزارعين، بحسب القرار.
وينقل موقع "مدى مصر" عن محمد سعد الله وكيل وزارة التموين بالإسكندرية قوله: «المزارع اللي ما سلمش كده كده هيتحال للنيابة، والتصالح هيكون من خلال السداد هناك، اللي مش عايز يسدد تسرى عليه إجراءات النيابة بقى والقضاء هو اللي يقرر»، مضيفًا أن الغرامات ستخصص لشراء قمح بدلًا من الذي امتنع المزارعون عن تسليمه.
ويرى محمد الشريف مدير جمعية زراعية بالغربية أن اعتماد الوزارة على الحيازات الزراعية المسجلة بالجمعيات لتحرير المحاضر سيكون حلقة ضمن سلسلة الأخطاء التي ترتكبها الوزارة مؤخرًا للتعامل مع أزمة القمح، لافتقار تلك الحيازات للدقة، وهو ما أكدته مصادر أخرى بقطاع الزراعة. فجزء كبير من الحيازات الزراعية المسجلة باعتبارها مزروعة بالقمح، وهمية؛ ذلك أن بعض الفلاحين تزرع برسيما وتخبر مهندسي الجمعيات الزراعية أنهم يزرعون قمحا للحصول على سماد إضافي ثم يقتسمون السماد الإضافي مع مديري وموظفي الجمعيات التعاونية الزراعية التي تعج بالفساد من خلاله بيعه بالسوق السوداء.
ومن مشاهد تعنت الحكومة أنها تلزم الفلاحين الذين لم يوردوا الكميات المطلوبة بشراء القمح من السوق وتوريده للحكومة تجنبا لتوقيع غرامات عليهم. وبحسب مراقبين يعد التوجيه الوزاري أحدث محاولات الحكومة لدفع المزارعين لتسليم القمح، في ظل انخفاض كميات القمح المحلي المورد مقارنة بالمستهدف، خاصة مع قرب انتهاء موسم الحصاد الفعلي بحلول منتصف يونيو.
وجمعت وزارة التموين منذ بدء موسم التوريد مطلع أبريل، وحتى الجمعة الماضي (03 يونيو2022)، 3.4 مليون طن قمح، من أصل 5.5 مليون طن تستهدفها الحكومة، بعد تخفيضها من ستة ملايين، وفقًا لوثيقة اطلع «مدى مصر» على نسخة منها.
ويتهم خبراء ومحللون ومزارعون حكومة الانقلاب بالتسبب في المشكلة؛ لأنها حددت سعر توريد أقل بكثير من السعر العالمي الأمر الذي دفع الفلاحين إلى الامتناع عن التوريد والاحتفاظ بالمحصول في ظل أزمة الخبز، أو بيعه بسعر أعلى للقطاع الخاص. ويؤكد أحد المزراعين أنه لم يتسلم من وزارة الزراعة أسمدة أو بذور لزراعة القمح هذا الموسم، مضيفًا: «ترجع عليا بالقانون لما يكون بيني وبينك عقد، لكن أنت تاخد قرارات غلط وبعدين تحاول تحلها أنك تجبر الفلاح يسلم القمح بفلوس أقل من اللي بتستورد بيها، دي جزاتي إني زرعت قمح يعني؟».
وبلغ السعر الحكومي لشراء القمح 5800 جنيه للطن، فيما بلغ سعر القمح المستورد نحو تسعة آلاف جنيه، وفقًا لآخر مناقصة تعاقدت عليها مصر، الأسبوع الماضي (آخر مايو2022). ما دفع أغلب المزارعين لتسليم الحكومة الكميات التي حددتها فقط، وبيع الكمية المتبقية إلى القطاع الخاص، أو تخزينها لاستخدامها كعلف للحيوانات، في ظل ارتفاع أسعار الأعلاف، فيما امتنع بعض المزارعين عن تسليم أي كميات للحكومة، رغم ما اتخذته من قرارات لدفع المزارعين لتسليم القمح.
من جانبه، اعتبر نقيب الفلاحين، حسين أبو صدام، أن التوجيه اﻷخير، والقرارات التي سبقته، افتقدت للدراسة، لافتًا إلى أن تلك القرارات قد تدفع المزارعين للعزوف عن زراعة القمح خلال الموسم المقبل.