عاد ملف الغاز بين مصر والكيان الصهيوني إلى الواجهة، مع إعلان تل أبيب استئناف التصدير إلى القاهرة “بكميات محدودة”، بعد توقف دام أيامًا عقب الضربات داخل إيران. هذا التطور أثار موجة واسعة من التعليقات والتحليلات، بعضها ساخر، وبعضها اقتصادي، وبعضها سياسي، ما جعل الملف يتجاوز حدود الطاقة ليصبح جزءًا من نقاش أكبر حول الأمن القومي، والسيادة، والاقتصاد، والتحالفات الإقليمية.
وأعلنت وزارة الطاقة الإسرائيلية، وفق ما نقلته رويترز، أنها ستستأنف تصدير الغاز الطبيعي إلى مصر “على نطاق محدود”، موضحة أن التصدير سيقتصر على “الفائض المتبقي بعد تلبية احتياجات الاقتصاد المحلي بالكامل”. هذا الإعلان جاء بعد توقف مفاجئ في 28 فبراير، حين أغلقت إسرائيل حقلي “ليفياثان” و“تمار” كإجراء أمني عقب ضربات داخل إيران.
واستأنفت تل ابيب ضخ الغاز جزئيًا من حقل تمار”، وأن هذا التطور مهم لأن “شحنات المازوت والغاز الطبيعي المسال تشهد نقصًا في المعروض وارتفاعًا ملحوظًا في الأسعار”، واستئناف التصدير – إن تم بشكل كامل – “سيخفف الضغوط على قطاع الطاقة في مصر”، خاصة أن متوسط الإمدادات في يناير بلغ 920 مليون قدم مكعبة يوميًا، بحسب خبراء.
في المقابل، أعاد بعض المعلقين التذكير بالاتفاق الضخم الذي تبلغ قيمته 35 مليار دولار، الذي يتضمن توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز لمصر حتى 2040. الكاتب قطب العربي وصف الاتفاق بأنه “ذو طبيعة سياسية منذ بدايته”، مشيرًا إلى أن حكومة نتنياهو “تراجعت عن إتمامه سابقًا للضغط على مصر في ملف غزة والتهجير”، قبل أن يتدخل الرئيس الأميركي دونالد ترامب لإجبار الطرفين على إتمام الصفقة “لإعادة الدفء للعلاقات المتوترة”.
توقف كامل ثم استئناف جزئي
قبل الاستئناف المحدود، كانت إسرائيل قد أوقفت ضخ الغاز إلى مصر “لأجل غير مسمى”، ووفق “الشرق بلومبيرغ” فإن القرار شمل وقف ضخ 1.1 مليار قدم مكعبة يوميًا من حقلي تمار وليفياثان، مستندة إلى بند “القوة القاهرة”.
هذا التوقف أعاد إلى الأذهان أزمة يونيو 2025، حين اضطرت الحكومة المصرية إلى “قطع الغاز عن مصانع الأسمدة” بعد توقف الإمدادات الإسرائيلية، كما ذكرت تقارير بلومبيرغ.
وقدم الخبير محمد فؤاد (@MAFouad) صورة رقمية دقيقة لوضع الغاز في مصر" إنتاج مصر 4 مليارات قدم مكعبة يوميًا، وواردات خطوط الغاز مليار قدم، واستهلاك الذروة 7.5 مليار قدم، والفجوة 2.5 مليار قدم مكعبة يوميًا.
هذه الفجوة تُسد عبر استيراد 15–20 ألف طن مازوت يوميًا، واستيراد غاز مسال يعادل 2.1 مليار قدم مكعبة (يحتاج 4 سفن تغويز)"
كما أشار إلى أن واردات الغاز الطبيعي لمصر بلغت 4.9 مليار دولار في 2024، و2.41 مليار دولار في 2023، ومتوقع أن تصل إلى 7–9 ملايين طن في 2025، و12 مليون طن في 2026.
هذه الأرقام تفسر لماذا يمثل الغاز من الكيان جزءًا مهمًا من مزيج الطاقة المصري، إذ يغطي – وفق مبادرة JODI – ما بين 40 و60% من واردات مصر، ويغطي 15–20% من استهلاكها.
قطر تدخل المشهد
ومع اليوم الثالث للحرب على إيران أعلنت قطر وقف إنتاج الغاز وإعلان “القوة القاهرة”، معتبرًا أن القرار يحمل هدفين تقصير أمد المعركة عبر الضغط على الأسواق العالمية وحماية المنشآت الحيوية المرتبطة بإنتاج ونقل الغاز المسال وهو تطور يعكس برأي مراقبين تعقيد المشهد، لأن قطر أحد أكبر موردي الغاز المسال في العالم، وأي توقف يؤثر على أوروبا وآسيا ومصر.
وتحاول القاهرة جعل البحر الأحمر ممرًا بديلًا للطاقة في ظل اضطراب الخليج، وطرحت مصر 10 مستودعات لتخزين النفط الخام والمنتجات البترولية للإيجار في ميناءي العين السخنة ورأس بدران، بهدف جذب شركات تجارة النفط للاستفادة من الطاقة التخزينية التي تبلغ 29 مليون برميل.
وهو تحرك يأتي بينما تعيد شركات كبرى مثل “أرامكو” توجيه شحناتها عبر البحر الأحمر، بعد أن أصبح مضيق هرمز شبه متوقف.
بين السخرية والقلق
انتشرت تعليقات ساخرة على منصات التواصل، بعضها يقول إن “السيسي ركّع إسرائيل وهي تدفع 35 مليار دولار مقابل الغاز”، بينما رد آخرون بأن “أسعار البنزين والسولار والغاز في مصر لم ترتفع حتى الآن، والأخبار المنتشرة مزيفة”.
تشهد منطقة الشرق الأوسط واحدة من أكثر لحظات الاضطراب حساسية في أسواق الطاقة منذ سنوات، بعد تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، وما ترتب على ذلك من إغلاق شبه كامل لمضيق هرمز، وتعطل خطوط الغاز في شرق المتوسط، وتوقف بعض الحقول الإسرائيلية، وإعلان قطر حالة “القوة القاهرة”. وسط هذه الفوضى.
البعد السياسي للصفقة
وقدم الكاتب قطب العربي قراءة سياسية للاتفاق، معتبرًا أن ترامب هو من تدخل لإتمام الاتفاق مع الكيان بهدف “إعادة الدفء للعلاقات”. ورأى أنه يمثل “طوق نجاة لاقتصاد الكيان المتضرر من حرب غزة”. معتبرا أن الاتفاق شكل “دعمًا غير مباشر للعدوان”.
كما نقل عن المقررة الأممية فرانشيسكا ألبانيزي قولها إن الصفقة “تمثل انتهاكًا للقانون الدولي” وإن “الدول يجب أن تتوقف عن وضع الأرباح فوق الإنسانية”.
وقال قطب العربي "الصفقة التي بلغت قيمتها 35 مليار دولار، وتتضمن توفير 130 مليار متر مكعب من الغاز لمصر حتى العام 2040، كانت ذات طبيعة سياسية منذ بدايتها، فقد تم الاتفاق عليها في شهر أغسطس آب الماضي، لكن حكومة نتنياهو تراجعت عن إتمامها كنوع من الضغط على مصر لتليين موقفها تجاه العدوان على غزة، وفي ملف التهجير، وخلال تلك الفترة بحثت مصر عن مصادر بديلة، وكانت تلك البدائل متاحة من عدة مصادر آمنة، مثل قطر والجزائر وروسيا الخ، ومع استمرار التوتر بين البلدين، الذي كان من مظاهره احتلال الجيش الإسرائيلي ممر فيلادلفيا، وإغلاق معبر رفح، وفي الوقت نفسه زيادة الحضور العسكري المصري على الحدود، كل ذلك دفع الرئيس الأمريكي ترامب للتدخل لإجبار الطرفين المصري والإسرائيلي على إتمام تلك الصفقة، والتخلي عن البدائل الأخرى، بهدف إعادة الدفء للعلاقات المتوترة.
وأضاف "العربي" أن هذه الصفقة تسهم أيضا في إخراج الكيان من عزلته الدولية من ناحية، كما تمثل طوق نجاة لاقتصاده الذي تضرر كثيرا بسبب العدوان على غزة من ناحية ثانية، وهي أي الصفقة بهذا المعنى تمثل دعما للعدوان نفسه، وقد عبرت عن هذا المعنى المقررة الخاصة للأمم المتحدة المعنية بالأراضي الفلسطينية المحتلة، فرانشيسكا ألبانيزي، التي أكدت أن الصفقة تمثل انتهاكا واضحا للقانون الدولي، بما في ذلك الرأي الاستشاري الصادر عن محكمة العدل الدولية عام 2024، ووصفتها بأنها "إشارة مذهلة على دعم إسرائيل خلال حرب الإبادة الجماعية بحق الفلسطينيين".
وقالت في منشور على صفحتها الرسمية في منصة "إكس" إن "الدول يجب أن تتوقف عن وضع الأرباح فوق الإنسانية"، مشددة على أن توصيف الصفقة باعتبارها تجارية لا ينفي أبعادها القانونية والأخلاقية.
وأكد أنه "لا يمكن لمصر التي خاضت 5 حروب ضد الكيان الصهيوني، ولا تزال تعتبره عدوا وهو ما نطق به السيسي شخصيا أن تضع رقبة مصانعها ومستشفياتها وحتى منازل مواطنيها تحت رحمة هذا الكيان الذي لا يحترم عهودا ولا اتفاقيات، الذي استخدم الغاز نفسه كورقة ضغط من قبل، ورغم أن الصفقة عقدت وفقا لسعر منخفض قياسا بغيرها نظرا لقرب الحدود، ونظرا لوجود خطوط إمداد، إلا أن البعد التجاري لا ينبغي أن يغطي على الأبعاد الأخرى السياسية والأمنية التي تستوجب الحذر الشديد، وضرورة تنويع مصادر إمدادات الطاقة حتى لو كانت بسعر أعلى، كما حدث في أزمة واردات القمح الأمريكية منذ الستينات التي خرجت منها مصر بتنويع مصادر ورادتها.".