كتب- سيد توكل:
 
أكثر من ست سنوات مرت على بداية الثورة السورية والسوريون لا يزالون يناضلون من أجل حريتهم وكرامتهم، ست سنوات عمل النظام العسكري الجاثم على أنفاس دمشق خلالها على نشر الموت والجوع والدمار، وأعلن حرباً ضد مواطنيه، وفتح الباب على مصراعيه أمام كل أنواع الاحتلالات والتدخلات الخارجية في سوريا. 
 
بالمقابل، فشل سياسيو المعارضة في إنضاج مشروع سياسي واضح للثورة وبناء مؤسسات وطنية تمثلها تكون بديلاً عن النظام الحالي، كل ذلك أفسح المجال أمام أطراف غربية وإقليمية بالدفع بتنظيمات استخبراتية تمثل التطرف مثل "داعش"، وتدّعي نُصرة الثورة، استثمرها النظام والقوى الإقليمية والدولية لحرف الثورة السورية عن مسارها، وتحويلها إلى صراع طائفي ودولي يغطي على الثورة ويحاربها.
 
الثورة السورية التي بدأت في منتصف آذار من عام 2011 تحولت خلال أشهر قليلة إلى صراع مسلح تقوده ميلشيات نظام الأسد، وقوات حزب الله، والحشد الشيعي الذي توجهه طهران من جهة، وتنظيمات مخابراتية مسلحة تعمل بمهارة على ابتلاع القوى الثورية المحلية والمنشقين عن جيش النظام من جهة أخرى. 
 
لعبة "داعش"
 
بحبل من روسيا وإيران وحبل من داعش وحزب الله استكملت خطة النظام الأسدي الرامية إلى تحويل الثورة إلى صراع طائفي مسلح عناصرها خلال العامين الأولين من انطلاقها، واستطاع النظام بدهاء توظيف داعش في حربه ضد الثورة باخراج قادتها من سجونه في النصف الثاني من عام 2011،  ومن خلال التفاهمات غير معلنة مع داعش  في العراق، سهل النظام دخول داعش، التي تعاون معها خلال الاحتلال الأمريكي للعراق، إلى الشمال السوري الثائر ضد النظام، وساهم بسلاحه الجوي في عدد من المعارك التي خاضتها داعش ضد القوى الثورية، ومكنها من السيطرة على مدينة الرقة بتجنب قصف مواقعها والتركيز على ضرب القوى الثورية، كما سهل وصولها إلى جبال القلمون لتدخل في صراع مع الجيش الحر.
 
الثورة التي بدأت ثورة سلمية شعبية ترفع شعارات الحرية والعدالة والكرامة، وتدعو إلى إنهاء احتكار النظام العسكري الأسدي الطائفي للسلطة، انتهت بدهاء الطغمة الحاكمة في دمشق إلى صراع طائفي بين داعش، وقوى شيعية طائفية تدعوا إلى ثارات الحسين وولاية فقهاء الشيعية الإمامية. 
 
نموذج السيسي
 
وفي خضم هذا الصراع ضاعت أصوات الأغلبية السورية التي نادت بإنهاء الفساد والاستبداد، وإقامة نظام سياسي يحترم كرامة جميع المواطنين، ولا يحابي بينهم لأسباب تتعلق بانتماءاتهم الدينية والطائفية ومستواهم الاجتماعي ودخلهم المالي؛ نظام يقوم على انتخابات حرة نزيهة ودولة تحترم القانون ويخضع مسئولوها إلى المساءلة السياسية. 
 
الإجماع الدولي الذي وقف بكثير من التردد خلف الثورة، يريد إنهاء الأمر في سوريا كما حدث في مصر وإعادة تدوير النظام، ويدعو المعارضين السوريين اليوم إلى الانضواء تحت راية النظام، والدخول في حكومة وحدة وطنية، والاحتكام إلى صناديق اقتراع تتحكم فيها أجهزة النظام الأمنية، وتستخدم أساليب القمع وترهيب والترغيب والتزييف للوصول لتكريس حكم العسكر، واستبعاد الراغبين في وطن يحترم حقوق أبنائه، ويواجه المفسد والمرتشي والمختلس العدالة والقانون.
 
الخطة الحالية لإنهاء الثورة في سورية لن تؤدي إلى تجاوزه الأسباب التي دفعت السوريين للانتفاض والثورة، بل على العكس تسعى إلى تكريس الواقع السيء الذي ساد خلال حكم حزب البعث، النظام الذي تبنى سياسات عنصرية وطائفية خلال ولاية حافظ الأسد، أضاف خلال حكم بشار الأسد إلى سجله الماضي مئات الآلاف من ضحايا التعذيب، والاختفاء القسري، والقتل العشوائي للمدنيين، وتدمير المنازل والبنية التحتية لمناطق واسعة من الأحياء والمدن والقرى والسورية. 
 
تجاوز أسباب الصراع يحتاج إلى الدخول في برنامج محاسبة ومصالحة، وهو أمر يعجز عنه نظام استبدادي مسئول عن بدء الصراع وتحوله إلى صراع دموي مأساوي، كما هو الحال في مصر بعد الانقلاب.
وبات السؤال: هل نجح النظام وحلفاؤه في احتواء الثورة السورية ؟
 
التسوية الأمريكية
يمكن القول أن الثورة غير قادرة بسبب دخول أطراف دولية ومساندة النظام عن تحقيق مكاسب، ولكن النظام أيضا عاجز عن السيطرة بالطريقة التي ميزت سورية ما قبل الثورة، النظام أضعف الثورة وشتتها، ولكنه غير قادر على القضاء عليها، لأنه حول سورية إلى مطية للاحتلال الأجنبي، الثورة لم تنتهي على الأرض، بل لا زالت مستمرة.
 
التسوية التي يريدها الأمريكيون الآن ويعملون لتحقيقها بالتنسيق التام مع الروس، هي إحياء نسخة معدلة من النظام الإقليمي القديم تشمل دوراً لإيران، وإعادة الثورة إلى قمقم النظام العسكري، وترفع واشنطن شعار "فلتبق الأزمة داخل سورية وليفعل النظام ومعه إيران وروسيا ما يريدون بالسوريين، لكن دوماً داخل الحدود، وبما لا يهدد النظام الإقليمي الذي أُفشِلت محاولات خرقه في مصر وليبيا"، وتستعين الولايات المتحدة على تغطية هذه الحقيقة بالخطب والشعارات والمجاملات وبيانات الاستنكار والإدانة وأكياس الدقيق والسكر.
ولم يعد مفاجئا بالنسبة للسوريين عودة أحد ممن لبس رداء الثورة السورية من السياسيين أو العسكريين إلى "حضن نظام الأسد" اليوم، فكلٌ يعمل بأصله كما يقول السوريون، بعضهم قام بالثناء الصريح على بشار الكيماوي، معتذرين عن وقفهم مع ثورة شعبهم ضد نظام الأسد في أول الثورة السورية.

رابط دائم