لم تكن مهمة السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، مجرد إنجاز عملية تنازل عن جزيرتي “تيران وصنافير”، فقد كان امتداد لخط التنازل والتفريط الذي شرع فيه المنقلب جمال عبد الناصر بالتنازل عن وحدة مصر والسودان وغزة وسيناء، وتلاه السادات بالتنازل عن قرية أم الرشراش الإستراتيجية والسيادة على سيناء، والمخلوع مبارك بالتفريط في ثروات مصر من البترول والغاز والمساعدة في تقسيم السودان.

يقول الكاتب الصحفي سليم عزوز:”في اللحظة التي كان فيها السيسي يقدم عربون محبة لإسرائيل، بالإقدام على حفر “القناة الجديدة” لتعميق المانع المائي، كان قد ذهب إلى سيناء ليجعلها ساحة حرب، وقام بتهجير أهالي رفح، ثم أنه يعمل في الخطوة الحالية على تهجير سيناء من كل سكانها، واللافت أنه دخل حرباً مفتوحة، لم يحدد سقفاً زمانياً للانتهاء منها، وبدت سيناء مختطفة، فليس مسموحاً لوسائل الإعلام بدخولها للوقوف على حقيقة ما يجري”!

وظهر جلياً أن السفيه السيسي أمامه ثلاث مهمات، لم ينجز منها سوى واحدة، فهناك مهمة التفريط في سيناء، أما المهمة الثانية فهي توصيل مياه النيل إلى كيان العدو الصهيوني، وهو أمر كاشف عن أنه سيبقي في موقعه إلى حين إتمامها بنجاح.

نكسة سيناء!

آلاف المصريين صدمهم محرقة السفيه السيسي في سيناء، وعادت بهم مرارة الذاكرة سنوات إلى عهد المنقلب جمال عبد الناصر عندما يجلسون في صمت مطبق يقربون آذانهم من سماعة المذياع في البيوت الكبيرة وعلى المقاهى، صدقوا وقت النكسة أنهم منتصرون.

في يونيو 1967 كان الجيش في وادٍ، بيانات إذاعة صوت العرب تهلل بالنصر وتحطم طائرات العدو، ومن أفلت من جنود مصر هائمون في الصحراء تأكلهم الغربان أحياء من شدة الجوع والعطش والضعف.

كانت الصدمة في النكسة مروعة، من النقيض للنقيض، من نشوة النصر للهزيمة النكراء، من الحياة للموت فجأة، لكنها تمام ستكون كصدمة من يخبرك أن سيناء لم تحرر ولم ترجع كاملة لينا كما غنت الفنانة شادية، وما يجري اليوم من مجازر عسكرية في سيناء للمدنيين وتهجير لصالح اتفاق القرن نقيض الرواية للانقلاب، التي تهلل لتحرير سيناء من الإرهاب كما هللت بالنصر في النكسة.

عندما فرط محمد أنور السادات في الأرض والدماء لم يحاسبه أحد ولم يوافقه أحد ، وتوالت الاستقالات من كبار الدبلوماسيين والعسكريين الذين رفضوا ما أفضت إليه المفاوضات، هذه الاستقالات أوضحت حجم الرفض للتنازل الذي قدمه السادات في المفاوضات، وتوضح الآن حجم التباين في ردود الفعل على التنازلات التي يقدمها السفيه قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي، بداية من جزيرتى تيران وصنافير، وحتى سيناء.

 

ارفع رأسك!

“ارفع رأسك يا أخي، فقد حصل الضباط الأحرار على مملكة مصر والسودان، وتنازلوا عن السودان وطارت منهم سينا كمان!!”، هكذا يسخر المراقبون من تفريط وتنازل العسكر في السيادة والأرض.

هذا ما يمكنه، تلخيص المهام التي تم تكليف عبد الناصر بها، التي منذ 23 يوليو 1952، على المستوى الجغرافي الاستراتيجي لمصر، وهذا ليس محض افتراءات، ولكنه تاريخ وواقع، لا ينكره إلا عبدة الزعيم الملهم، الذي نكل بالرافضين للمخطط الصهيوأمريكي، وسجنهم جميعاً في سجن القلعة وأطلق عليهم حمزة البسيونى وحسن طلعت وزبانيتهم، ليريهم كيف يعاقب من يخرج على نهج التفريط في الوطن.

المفارقة أن قائد الانقلاب عبد الفتاح السيسي تحدث في الذكرى المئوية لزعيم التنازلات، بثها التليفزيون مؤكدا أن تأثيره امتد لباقي الدول العربية وأنه ملتزم باستكمال مسيرته، وهو ما علق عليه الكاتب الصحفي حسن البحيري، مؤكدا أن كلا من عبد الناصر والسيسي وجهان لعملة واحدة في ما يتعلق بالقضاء علي تطلعات الشعوب في الاستقلال.

قطع السودان

انضم السودان إلى مصر لأول مرة عام 1822 على يد محمد على باشا، وأكد اللواء محمد نجيب وحد الصف السوداني في مؤتمر للأحزاب السودانية عقد بالقاهرة، وجاء المنقلب عبد الناصر وأعلن انفصال السودان أمام البرلمان، كما سيفعل السفيه السيسي بخصوص سيناء.

وفي التاسع عشر من يناير 1956، تم انفصال السودان عن مصر بعد الإعلان الكارثي لعبد الناصر، ومزق العسكر التاريخ الذي يؤكد على وحدة مصر والسودان، وعندما جاء محمد على إلى مصر أدرك أهمية السودان فضمها إلى مصر عام 1822 لتكون أرضاً واحدة وشعبا واحدا، وفى عهد الخديوي إسماعيل تزايد تلاحم مصر والسودان من إنشاء المدارس والمساجد والمرافق، بل ووصل الإعمار إلى الصومال.

ومثلما يقوم به الرئيس الأمريكي ترامب اليوم، ومع احتلال الإنجليز لمصر عام 1882 بدأ السعي إلى تفتيت هذه الوحدة، إلى أن تمكن المستعمر من فرض اتفاقية 1899 التي نصت على أن يتولى الإشراف على السودان ممثل لحاكم مصر وممثل للانجليز، وأن يرفع العلم الإنجليزي بجانب العلم المصري، وبدا هذا منطقياً إذ أن مصر ذاتها كانت محتلة من الإنجليز.

رابط دائم