بدأ نظام الانقلاب العسكري بقيادة عبد الفتاح السيسي رسميًّا، في أول إجراءات عزل شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، من خلال حصاره وتفريغ المؤسسة الدينية من المعاونين لشيخ الأزهر، بعد أن قرر النظام عزل هؤلاء المعاونين واحدًا تلو الآخر لأسباب مختلفة، ليبقى شيخ الأزهر وحيدًا وسط الحيتان الجدد الذين سيتم الاستعانة بهم من الأمن الوطني للتضييق على قراراته، وحصاره في قلب بيته.

فبعد التخلص من الدكتور محمد عمارة من مجلة الأزهر الشريف كرئيس تحرير لها، والتضييق عليه كعضو هيئة كبار علماء وصديق مقرب من شيخ الأزهر؛ نظرا لكونه يمثل صداعا في رأس نظام الانقلاب، تم التخلص من الدكتور حسن الشافعي رئيس مجمع اللغة العربية الأسبق ومستشار شيخ الأزهر وصديقه المقرب ومستشار رأيه، فضلا عن تقليص هيئة كبار العلماء، وتحييدها.

محمد عبد السلام

وشهد الأسبوع المنصرم عزل أقوى رجال شيخ الأزهر في المؤسسة الدينية وذراعه اليمنى، وهو المستشار محمد عبد السلام، الذي تم استدعاؤه للعودة بوظيفته القديمة بمجلس الدولة، بعد قطع انتدابه للأزهر، ما اضطره لاعتذاره عن الاستمرار بضغوط أمنية، رغم حاجة شيخ الأزهر له.

وقالت مصادر من داخل الأزهر الشريف، إن شيخ الأزهر عرض على المستشار محمد عبد السلام التدخل لدى جهات سيادية من أجل استمرار انتدابه، إلا أن ضغوطًا أمنية منعت عبد السلام من الاستمرار وقطع انتدابه.

وكشفت المصادر عن أنه ربما تشهد الأيام القادمة تعيين بديل عن عبد السلام داخل الأزهر الشريف من بين المتعاونين مع الأمن الوطني؛ بهدف حصار شيخ الأزهر والتضييق عليه والتجسس على كل كبيرة وصغيرة في مكتبه.

وأكدت أن قطع انتداب عمل عبد السلام مثّل ضربة قوية لشيخ الأزهر؛ نتيجة اعتماد الدكتور أحمد الطيب عليه في كل كبيرة وصغيرة، فضلا عن قرب عبد السلام بصفة شخصية من شيخ الأزهر وثقته فيه.

ووجه شيخ الأزهر الشريف، الشكر إلى المستشار محمد عبد السلام، المستشار القانوني والتشريعي لشيخ الأزهر، بمناسبة الاعتذار الذي تقدم به عبد السلام لإنهاء مهام عمله بالأزهر، والعودة إلى عمله القضائي بمجلس الدولة.

جابر عصفور

من ناحية أخرى، أكد الكاتب الصحفي وائل قنديل أن استدعاء جابر عصفور هذه الأيام يعني بداية إحكام الحصار على شيخ الأزهر، في سياق محاولات عزله من المشيخة، وتغيير بنيتها.

وقال قنديل، خلال تدوينة على صفحته بموقع “فيس بوك”: “سمعته قبل قليل في حوار تلفزيوني يقول إن الصدام بين السيسي وشيخ الأزهر هو صدام بين الدولة المدنية الديمقراطية الحديثة (ويمثلها السيسي) والدولة الدينية ويمثلها شيخ الأزهر”.

هيئة كبار العلماء

من ناحية أخرى، يسعى السيسي إلى تهميش دور هيئة كبار العلماء التي تعد القوة الحقيقية التي يحتمي بها شيخ الأزهر حتى الآن، من خلال رفض السيسي التصديق على اختيار شيخ الأزهر للمرشحين الجدد، بعد وفاة عدد من أعضاء الهيئة.

وكشفت مصادر مطلعة بالأزهر الشريف، أن الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب اختار عددا من أساتذة الجامعة لتعيينهم بهيئة كبار العلماء، بعد انخفاض عدد أعضائها إلى 15 من أصل 40.

وأعادت وفاة الدكتور طه أبو كريشة، عضو هيئة كبار العلماء، الشهر قبل الماضي، فتح ملف تقلص أعضاء الهيئة إلى 15 عضوا بدلا من 40 وهو عدد النصاب القانوني، بسبب وفاة البعض، أو تعرضهم للإقصاء وهو ما حدث مع الدكتور يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين عام 2013، بسبب رفضه لانقلاب 30 يونيو.

وأوضحت المصادر أن أبرز الأسماء التي اختارها الإمام الأكبر للتعيين بهيئة كبار العلماء، هم الدكتور السعيد السيد السيد عبادة أستاذ النقد والأدب المتفرغ بكلية اللغة العربية بالقاهرة، والدكتور محمود توفيق محمد سعد الأستاذ المتفرغ بكلية الدراسات الإسلامية والعربية للبنات بالقاهرة، والدكتور مالك محمد أحمد رشوان الأستاذ المتفرغ بقسم التاريخ الحديث والحضارة الإسلامية بكلية اللغة العربية بأسيوط، والدكتور محمود حسن مخلوف عبد الرحمن أستاذ الأدب والبلاغة والنقد بكلية اللغة العربية بأسيوط، والدكتور محمد حسن إبراهيم أستاذ الفقه المقارن المتفرغ بكلية الشريعة والقانون بالقاهرة، والدكتور حسن أحمد محمد جبر أستاذ التفسير بكلية أصول الدين والدعوة في القاهرة.

وأضافت المصادر أن هيئة كبار العلماء تعقد اجتماعا خلال الفترة المقبلة، للاقتراع السري على الأسماء التي رشحها فضيلة الإمام الأكبر للانضمام للهيئة، ومن ثم رفعها إلى رئاسة الجمهورية لصدور قرار بالتعيين، ومع ذلك حتى الآن لم يصدق عليها السيسي.

 

وفاة الأعضاء

وشهدت هيئة كبار العلماء وفاة ستة أعضاء خلال الثلاثة أعوام الماضية، وهم “الدكتور طه أبو كريشة في الأول من أكتوبر 2018، والدكتور محمد رأفت عثمان في 25 ديسمبر 2016، والدكتور محمد المختار المهدي في 14 فبراير 2016، والدكتور عبد الشافي محمد عبد اللطيف في 10 مايو 2018، والدكتور محمد الراوي في 2 يونيو 2017، والدكتور بركات دويدار في 28 مايو 2016، ومحمد الأحمدي أبو النور في 11 نوفمبر 2015، والدكتور عبد الله الحسيني فى 10 يوليو 2013 “، فضلا عن إقصاء الدكتور يوسف القرضاوي.

وأعاد شيخ الأزهر، إعادة إحياء هيئة كبار العلماء فى 2012 بـ26 عضوا فقط، ليتم استكمال باقى الأعضاء فيما بعد، وتضم حاليا، الدكتور عبد الرحمن العدوى 92 عاما، والدكتور حسن الشافعى 88 عاما، والدكتور محمد عمارة 87 عاما، والدكتور عبد الفتاح بركة 86 عاما، والدكتور محمود حمدى زقزوق 85 عاما، والدكتور نصر فريد واصل 81 عاما، والدكتور محمد حسنين أبو موسى 81 عاما، والدكتور أحمد طه ريان 79 عاما، والدكتور أحمد معبد عبد الكريم 79 عاما، والدكتور أحمد عمر هاشم و77 عاما، والدكتور محمود مهنى 74 عاما، والدكتور محمد عبد الفضيل القوصى 74 عاما، والدكتور علي جمعة 66 عاما.

خيارات السيسي

بعد السجال بين شيخ الأزهر أحمد الطيب، ورئيس الانقلاب عبد الفتاح السيسي، خلال الاحتفال بالمولد النبوي الشريف، فيما يتعلق بما يسمى “تجديد الخطاب الديني” الذي يطالب به الأخير.

وأثار الخلاف على الهواء مباشرة، والذي تجاهل فيها الطرفان بعضهما البعض، تساؤلات بشأن خيارات السيسي في التعامل مع شيخ الأزهر، والتي تبدو محدودة، خاصة وأن منصبه محصن، ولا يملك رئيس الجمهورية سلطة إقالته.

ووفق المادة 7 من دستور 2014، فالأزهر الشريف هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شئونه، وهو المرجع الأساسي في العلوم الدينية والشئون الإسلامية، ويتولى مسئولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية في مصر والعالم.

ولم تستبعد مصادر برلمانية لجوء السيسي إلى استخدام برلمان العسكر لتعديل المادة السابعة من الدستور، يما يسمح بعزل شيخ الأزهر، أو تحديد منصبه بمدة زمنية، كما حدث مع مناصب أخرى حصنها الدستور من العزل، ثم قام بتعديل المواد الخاصة بها، أو دفع للاستقالة.

وفي مارس 2016، عزل السيسي رئيس الجهاز المركزي للمحاسبات، المستشار هشام جنينة، بعد أن منح نفسه سلطة عزل رؤساء الهيئات الرقابية والمستقلة.

وفي يونيو 2018، أطاح السيسي بصديقه ووزير دفاعه، صدقي صبحي، في خطوة مفاجئة، رغم حصانته الدستورية، التي تنص على توليه منصبه لفترتين متتاليتين، أي لثمان سنوات.

وبدأ السيسي في يناير 2015، معركته ضد الأزهر خلال احتفال وزارة الأوقاف والأزهر الشريف بالمولد النبوى الشريف، وقال السيسي وقتها إنه يحمّل الأزهر الشريف، إمامًا ودعاة، مسئولية تجديد الخطاب الديني والدعوة بالحسنى وتصحيح الأفكار والمفاهيم التي ليست من ثوابت الدين، مطالبًا بثورة دينية لتغيير المفاهيم الخاطئة.

Facebook Comments