“السيطرة على تسرب غاز طبيعي بمنزل… العناية الإلهية تنقذ شارع من التفحم.. فصل الغاز الطبيعى عن منازل إمبابة بعد تسريب الغاز الطبيعي”، ربما صادفتك مثل تلك العناوين المفجعة والكارثية التى تتناقلها المواقع الإخبارية والصحف.

كان اخر تلك الكوارث انفجار ماسورة غاز طبيعى ،أمس السبت، بشارع 117 بالمشروع الأمريكي بحلوان، بإحدى الشقق السكنية كادت تودى بأرواح العشرات من السكان ،لتؤكد بما لا يدع مجالا للشك وجود كوارث بالجملة تتحمل مسئوليتها شركة” تاون جاز” ، بعد رفض أهالي الشارع تصديق رواية الشركة بأن صاحب العقار هو المتسبب وليس فنيين الشركة، حيث أرجع ببيان للشركة الانفجار إلى العميل (صاحب الشقة)، لاستخدامه وصلات خارجية دون الرجوع لهم. ولم تشير الشركة في بيانها إلى أي عمليات إصلاح قامت بها بذات العقار قبل الانفجار.

قنبلة في بيتك

يشار الى ان الفترة الاخيرة شهدت عدة حرائق مفجعة كان أخرها مصرع عروسين فى ليلة زفافهما بعدما انفجرت ماسورة الغاز الطبيعى بشقتهما، ما أدى لتفحمهما ووفاتهما فى الحال، لتؤكد غياب عوامل الأمان فى التركيب والتوصيل، وغياب الرقابة على شركات مقاولى الباطن من جانب شركة “تاون جاس”.

وكشفت تقارير عدة عن مخالفات كارثية فى الوصلات والمواسير وعدم اجراء الكشف الدورى ،وهو ما أكده مصدر رسمى بالطب الشرعى.

يشار الى ان عام 2017 شهد مصرع 40 مواطنا بمحافظة القاهرة، و18 فى الجيزة خلال حوادث تسبب فيها تسرب الغاز الطبيعى بالمنازل، كما تسبب الغاز فى 2480 حريقاً بواقع 6.6% من إجمالى عدد الحرائق خلال عام 2017 حسب آخر إحصاء للجهاز القومى للتعبئة والإحصاء، كما تسبب فى 45 ألف حادثة فى 2016.

من الباطن

كانت دولة الانقلاب قد أوكلت للشركة القابضة للغازات الطبيعية “إيجاس”، مهمة توصيل الغاز الطبيعى، و تقوم بذلك من خلال ثمانى شركات مصرية تابعة لها، تختص كل منها بنطاق جغرافى محدد، على رأسها الشركة المصرية لتوزيع الغاز للمدن “تاون جاس”،المعنية بتوصيل الغاز الطبيعى لمحافظات القاهرة والجيزة والإسكندرية والإسماعيلية وبورسعيد.

ويفرض القانون رقم 117 لسنة 1981، المعنى بتوصيل خطوط الغاز الطبيعى، على الشركات العاملة فى التوصيل مد الخطوط والتوصيلات بطريقة لا تؤثر على سلامة المبانى أو قاطنيها أو أى أطراف أخرى. وإذا تسببت هذه التوصيلات فى أى ضرر لملاك المبانى أو قاطنيها، تتحمل هذه الجهة التعويضات عن هذه الأضرار.

عمالة غير مدربة

ومع مرور السنوات كشفت “تركيب الغاز الطبيعى” ، عن عدم وجود عمالة مدربة واستخدام معدات متهالكة، واللجوء الى طرق بدائية.

كان أحمد عبدالرؤوف، مدير إدارة التخطيط الأسبق بشركة “تاون جاس”، قد اعلن فى عدد من الصحف أن الشركة تستورد خراطيم غاز طبيعى من الصين غير مطابقة للمواصفات القياسية المنصوص عليها، وعقب ذلك تم فصله من الخدمة بتهمة “نشر شائعات تضر بسمعة الشركة”.

فى يناير 2013، قررت محكمة تعويضات شمال القاهرة، تغريم شركة الغازات البترولية “بتروجاس”، وهى الشركة التى خرجت من رحمها “تاون جاس”، لتتبع قطاع الأعمال وكانت مسئولة عن توصيل الغاز الطبيعى للمنازل، مبلغ 130 ألف جنيه، بعد إدانتها بالإهمال فى تركيب عداد غاز طبيعى، نتج عنه احتراق شقة بمدينة نصر ووفاة مالكها بكرى عبدالجليل حسان (50 سنة) ، الذى لقى مصرعه بعد نشوب حريق، بسبب تسرب كميات من الغاز، أثبتت التحقيقات أنها ناجمة عن أخطاء فى التركيب.

وفى مارس 2014، دعت النقابة المستقلة للعاملين بالشركة المصرية لتوزيع الغاز الطبيعى للمدن “تاون جاس”، عمال الشركة، الذين لديهم مستندات تثبت فساد أى مسئول بالشركة، بأن يتقدموا بها إلى النقابة وهى التى سوف تقوم بتقديم المستندات إلى المسئولين بطرق شرعية دون إضرار بمصلحة الشركة، رافضة تشويه سمعة الشركة من خلال أحاديث وتصريحات بوسائل الإعلام عن وقائع الفساد .

فى مايو 2015، تقدم موظف بالشركة (رفض ذكر اسمه) ببلاغ للنائب العام يحمل رقم 1002 لسنة 2015، يتهم شركة “تاون جاس” باستيراد صفقة منظمات جديدة تالفة وغير مطابقة للمواصفات، وعوقب الموظف بنقل تعسفى وخصومات من مرتبه، وتهديد بالفصل من الشركة إذا عاود الحديث فى الأمر مرة أخرى.

توصيلات مخالفة

يكشف العدد الضخم للعقارات الموصل إليها الغاز ، عن غياب الكشف الدورى على المناطق التى يتم توصيل الغاز إليها، ما يضع تلك المناطق فى خطر خاصة أن الوصلات المخالفة تعتمد على خامات غير مطابقة للمواصفات تباع على الأرصفة وبعضها يقوم به “سباكون” وفنيون غير عاملين بشركات التوصيل.

ويعد الكشف الدورى واحداً من أهم الشروط التى وضعها البنك الدولى فى شروطه للحكومة المصرية لتمويل مشروعات توصيل خطوط الغاز الطبيعى للمنازل، حيث جاء فى البند الثانى الخاص بمؤشرات الأداء والمتابعة: يجب على المشغلين أن ينفذوا برامج للتفتيش والصيانة الدورية وتحديث البنية الأساسية لتقليص انبعاثات الغاز الهاربة.

وبالإضافة إلى غياب الكشف الدورى، فإن محابس الغاز تحولت إلى مقالب للقمامة، فى مناطق أرض اللواء وبولاق الدكرور، وفيصل بمحافظة الجيزة، والمطرية وعين شمس بالقاهرة، ما يكشف غياب متابعتها هى الأخرى، ما يهدد حياة ملايين المواطنين فى تلك المناطق، وهو ما حدث حين اندلع حريق فى محبس غاز بشارع مدرسة العاشر من رمضان فى عزبة إبراهيم بك بشبرا الخيمة، فى 5 أغسطس 2016، بعدما اشتعلت النيران فى القمامة التى تحيط به.

وقد برأ رئيس مصلحة الرقابة الصناعية، إبراهيم المانسترلى، الشركات، واتهم العاملين فى شركات توصيل الغاز بارتكاب أخطاء فنية فى التركيب، كانت سبباً -كما يقول- فى انتشار حرائق الغاز الطبيعى الناجمة عن تسرب من السخانات فى المراحيض كما جاء فى بيانات رسمية.

وطالب رئيس جهاز حماية المستهلك، بتدريب متخصص للعمالة الفنية بشركات الغاز المسئولة عن أعمال التركيب وتوصيل سخانات الغاز الطبيعى بهدف رفع كفاءتهم الفنية، خاصة بعد أن شهدت المرحلة الماضية احتراق بعض أجهزة السخانات عند الاستخدام.

4 مراحل

ويمر توصيل الغاز الطبيعى للمنازل باربع مراحل مقسمة على ثلاث مجموعات عمل، المجموعة الأولى، وهى مجموعة “الشبكات الأرضية”، والمختصة بتوصيل مواسير الغاز الطبيعى فى الشوارع العمومية والشوارع الجانبية، والمجموعة الثانية هى مجموعة “التركيبات” المختصة بتركيب مواسير الغاز الطبيعى للمنازل، والمجموعة الثالثة “التحويلات” أو “البرج”، وهى المخول لها فتح الغاز الطبيعى فى المواسير، والمجموعة الرابعة والأخيرة هى مجموعة “التوصيل الداخلى” وهى المجموعة المسئولة عن التوصيل للسخانات والبوتاجازات، وتسليم الشقة بعد إنهاء العمل للعميل.

مواصفات كارثية

وتنص المواصفات الفنية لتركيب الغاز الطبيعى، وهى مواصفات إنجليزية، أضيفت لها بعض المواصفات المناسبة لطبيعة المنازل والشوارع المصرية، على ألا تمر مواسير الغاز الطبيعى إلى جوار مواسير توصيل الكهرباء، وأن تبعد عنها بمسافة ما بين 30 و40 سم على الأقل، وتغطية هذا الجزء من مواسير الغاز بماسورة بلاستيكية.

من جانبه قال احد الفنيين فى تصريحات صحفية،أنهم لا يلتزمون بتلك المواصفات ، فلا يمتلك العاملون “مجسات” لكشف أماكن “الكابلات” الكهربائية داخل الحوائط أو أى أجهزة أخرى تمكنهم من ذلك، وبالتالى لا يستطيعون تنفيذ أهم توصيات توصيل الغاز الطبيعى، حيث يضطر العامل لعدم وجود تلك الأجهزة الحديثة إلى الاعتماد على العين المجردة، وهى لا تكشف كل شىء حيث تسير مواسير الكهرباء داخل الحائط، وفى بعض الأحيان تكون ظاهرة أمامهم ويضطر لتمرير الغاز بجوار الكهرباء، واضاف : أنا بدخل ساعات خطوط الغاز فى قلب مواسير الكهرباء.

كما يتعارض عدم وجود أجهزة متطورة لكشف وصلات الكهرباء مع اشتراطات البنك الدولى بضرورة: توفير الأدوات والأجهزة المناسبة للعاملين فى توصيل الخطوط، وهو البند المدرج بالقسم الخاص بالتعرض للتسريبات، أما عدم الكشف عن توصيلات الكهرباء فيتعارض مع الشرط الخاص ببند الصعق الكهربائى الذى ينص على: «ينبغى رصد وتحديد موقع كافة المرافق الأرضية ذات الصلة بخطوط نقل الكهرباء المدفونة فى الأرض أو المعلقة فى الهواء، لتجنب تعرض العمال والمواطنين للمخاطر.

فضلا عن معاناة أخرى تواجه الفنيين، وهى عدم توافر الأمن الصناعى للحفاظ على حياتهم خلال العمل الذى تظهر فيه نسبة كبيرة من الخطورة، وبمجرد إصابة أى منهم تتنصل الشركة من مسئوليتها عن علاجه، بحجة أنهم عمالة مؤقتة ولا يمتلكون عقودا دائمة مع الشركة، حيث يتعاملون بالإنتاجية وليس بأجر دائم.

اعتراف ضمني

واعترف محمد عبدالعال، الرئيس السابق لقطاع المشروعات بشركة “تاون جاس” بوجود كوارث فى خطوط توصيل للغاز الطبيعى مؤكدا انه تعتريها عيوب مخالفات فى التوصيل.
“عبدالعال” لم ينف وجود مخالفات من جانب شركات الباطن المملوكة لقيادات سابقة بقطاع الغاز الطبيعى بوزارة البترول، واصفاً ذلك بـالكارثة

وادعى أنه تصدى للعديد من محاولات تمرير بعض المخالفات فى التوصيل وقعت من جانب الشركات العاملة من الباطن، ويجد أن هذا هو السبب الرئيسى فى إزاحته عن منصبه، واصفاً شركات الباطن بأن “إيديهم طايلة جداً فى القطاع”.

اللواء سيف الإسلام عبدالفتاح رئيس شركة “تاون جاس” الأسبق، الذى أسس بعد إحالته للمعاش عام 2013 شركة خاصة لتوصيل الغاز من الباطن، اعترف بوجود أخطاء من جانب شركة “تاون جاس” بسبب الشركات الخاصة العاملة من الباطن دون ذكر اسم شركتع.

وزعم ان :خطوط الغاز الطبيعى آمنة بنسبة 100%، وأن المواصفات القياسية التى تعتمدها الشركة القابضة لا تسمح بأى نسبة خطأ، وأن نسبة الخطأ 0%، وأن أى تسرب للغاز الطبيعى فينتج عن أخطاء فى الاستخدام من جانب المواطنين وليس أخطاء فى التركيب

وواصل مزاعمه قائلا : حتى هذه اللحظة التى نجلس فيها لم يحدث مطلقاً حادث واحد تسببت فيه مشاكل أو عيوب فنية فى تركيبات خطوط الغاز الطبيعى.

Facebook Comments