في مواجهة حالة اليأس والإحباط لفشل مفاوضات سد النهضة يلجأ النظام لبعض المسكنات، منها تسريبات خليجية حول تصورات لتوافق “مرن” مع إثيوبيا حول سنوات ملء الخزان، إضافة إلى مباحثات غير رسمية من جانب الجمعيات البحثية المستقلة.

وكشف الدكتور محمد عبد العاطي، وزير الموارد المائية والري بحكومة الانقلاب، عن آخر مستجدات المباحثات المصرية الإثيوبية حول سد النهضة، موضحًا أن هناك مباحثات من قبل الجمعيات البحثية المستقلة؛ للوصول إلى اتفاق عادل لحق مصر في مياه النيل.

وقال، في تصريحات ببرنامج «مساءdmc»، المذاع عبر فضائية «dmc»، مساء الأحد 07 أكتوبر 2018، إن المباحثات المصرية ما زالت مستمرة للوصول إلى حل عادل يصمد مع الزمن بشأن سد النهضة، معقبًا: «لم نصل لحل مع إثيوبيا حول سد النهضة ولن نيأس من التفاوض».

من جانبه، ينسب عماد الدين حسين، رئيس تحرير الشروق، لمسئول خليجي، أن ثمة «بدايات لتفاهم سياسي حقيقي بين قادة البلدان الثلاثة مصر والسودان وإثيوبيا»، وأن التطورات السياسية فى إثيوبيا قد تقود إلى حلحلة ليس فقط فى ملف سد النهضة ولكن فى مجمل منطقة القرن الإفريقي.

هذا الدبلوماسي- بحسب حسين في مقاله “بارقة أمل في ملف سد النهضة”، المنشور في عدد 30 سبتمبر الماضي 2018- يضيف أنه يتصور أن مصر وإثيوبيا سوف تتوصلان فى نهاية المطاف إلى اتفاق يسمح لأديس أبابا بأن تملأ سد النهضة فى فترة تتراوح بين خمس وسبع سنوات، لكن بسيناريوهات مختلفة. بمعنى هذه الفترة قد تزيد إذا كان موسم فيضان نهر النيل شحيحا، وتقل إذا كان الفيضان كبيرا.

وبحسب تصريحات المصدر الخليجي، التي يمكن أن تصل إلى درجة التسريبات حول ما يجري في دهاليز المباحثات والغرف المغلقة أو يمكن اعتبارها تصورًا إقليميًّا لحل الأزمة، فإن حصة مصر من المياه سوف تتأثر، لكن التأثر سيكون مختلفًا، بمعنى أن حصة مصر الرئيسية والتى تصل إلى ٥٥٫٥ مليار متر مكعب، قد لا تتأثر كثيرا، لكن الذى سيتأثر إلى حد ما هي الحصة التي تصل لمصر من تلك التى لا تستطيع السودان أن تخزنها، وهذا الأمر محل نقاش بين البلدان الثلاثة، خصوصا بين مصر والسودان.

وحول وجود مصري يراقب خلال سنوات ملء السد، فبحسب المسئول الخليجي فإن إثيوبيا لا تزال ترى أن ذلك قد يمس سيادتها.

قلت للمسئول العربي البارز: ولكن اجتماع وزراء الري فى البلدان الثلاثة الذى عقد قبل أيام فى أديس أبابا، لم يسفر عن أي تقدم. هو أقر بذلك ولكنه عاد للسطور الأولى من هذا المقال، حينما قال إن التنسيق بين قادة الدول كفيل بالتوصل إلى صيغة سوف ترضى الجميع.

الدبلوماسي يقول إنه ليس معنى كلامه أن «كل الأمور تمام وزى الفل». هناك صعوبات ومشاكل بعضها متراكم منذ سنوات طويلة، وتحتاج إلى وقت وجهد وإرادة صلبة من قادة الدول الثلاث، وكبار المسئولين فيها. وينصح هذا الدبلوماسي حكومة العسكر بأن تستمر فى خطها القائم على التعاون، خصوصا أن هناك متغيرا مهما بدا يظهر فى الصورة، وهو الدور السعودي والإماراتي البارز فى ملف القرن الإفريقي، والمصالحة الكبرى بين إثيوبيا وإريتريا وجيبوتى والصومال.. هذه المصالحة قد تلعب دورا مهما فى ملف سد النهضة إذا أُحسن استغلالها، لكنها من ناحية أخرى قد تزيد من تعنت الموقف الإثيوبي.

تفاعلات الداخل الإثيوبي

وبحسب مراقبين، فإن والد “أبي أحمد” كان مسلما، ولكن رئيس الحكومة الإثيوبية ترك الإسلام وتنصر على المذهب البروتستانتي، لكنه يبدو متعجلا ومندفعا لتحقيق أهدافه، فى حين أن القوى المناوئة له كثيرة. إثيوبيا مصنع للقوميات، والخلافات والتباينات والمشكلات هناك كثيرة وقد تنفجر فى أى لحظة. وعندما يأتى شخص مثل أحمد ويشتبك مع قوى كثيرة متنفذة، فالمخاطر ستكون بلا حدود.

من هذه المخاطر: الرهان على أسياسي أفورقي، رئيس إريتريا، الذى يعتبر عدوا لكثير من الإثيوبيين، بعد حرب حدودية استمرت عامين من مايو 1998 إلى مايو 2000 وأدت إلى مقتل أكثر من خمسين ألف شخص، وإصابة وتشريد مئات الآلاف من أبناء البلدين.

ثانى المخاطر أنه اشتبك مع القوات المسلحة، حينما قال إن «الهيئة الهندسية» فيها فشلت تماما في إنجاز ما تم الاتفاق عليه فى بناء سد النهضة، وجاء مقتل مدير السد سيمجنيو بيكيلى، أواخر شهر يوليو الماضى، ليزيد المشكلات خصوصا أن “أبى أحمد” شكك فى قدرة بلاده على إنجاز السد، رغم أن البعض يرى أن هذا التشكيك هدفه إصلاح الأخطاء حتى يتم استكمال السد، الذى ينظر إليه كثير من الإثيوبيين باعتباره «مشروعا قوميا جامعا»!. وفى هذا الصدد فقد جرت قبل ذلك محاولة لاغتيال “آبى” نفسه فى وسط أديس أبابا، فى 23 يونيه الماضى.

ثالث المخاطر أن هناك ما يشبه الصراع الإقليمي من قبل قوى مختلفة على القرن الإفريقى، خصوصا فيما يتعلق بالحصول على المواد الخام والسيطرة على الموانئ، ثم الدور الخليجي البارز أخيرًا، وكان لافتا للنظر أن المصالحة الإثيوبية الإريترية الجيبوتية قد تمت فى جدة السعودية، وبدعم كامل من الإمارات المتحدة. ويتهم قطاع من الإثيوبيين “أبي أحمد” بالتجاوب مع السيسي لترضية الإمارات بما لها من نفوذ واسع في أديس أبابا، لكن المعطيات تؤكد إصراره على استكمال بناء السد مهما كانت العوائق والعقبات.

Facebook Comments