رغم المخاطر الكبيرة.. برلمان السيسي يوافق على تعديلات قانون “المحكمة الدستورية”

- ‎فيتقارير

وافق برلمان الأجهزة الأمنية الأحد 27 يونيو 2021م  على مشروع قانون تعديلات المحكمة الدستورية رقم 48 لسنة 1979، تمهيدا لأخذ الموافقة النهائية على تعديل القانون في جلسة لاحقة، والذي يمنح المحكمة حق الرقابة القضائية على دستورية قرارات المنظمات والهيئات الدولية، وأحكام المحاكم وهيئات التحكيم الأجنبية، المطلوب تنفيذها في مواجهة الدولة المصرية، والحكم بعدم الاعتداد بمثل هذه القرارات، أو بالالتزامات المترتبة على تنفيذها.

وينص مشروع القانون على أن تُضاف مادتان جديدتان إلى قانون المحكمة الدستورية العليا بالقانون رقم 48 لسنة 1979 برقمي 27مكرر و33 مكرر،حيث تنص المادة 27 مكرر، على أن تتولى المحكمة الدستورية العليا الرقابة على دستورية قرارات المنظمات والهيئات الدولية وأحكام المحاكم وهيئات التحكيم الأجنبية المطلوب تنفيذها في مواجهة الدولة، وتنص المادة 33 مكرر، على أنه :"لرئيس مجلس الوزراء أن يطلب من المحكمه الدستورية العليا الحكم بعدم الاعتداد بالقرارات والأحكام المشار إليها في المادة 27مكرر أو بالالتزامات المترتبة على تنفيذها".

ويزعم برلمان الأجهزة الأمنية أن تعديل القانون يستهدف حماية الأمن القومي المصري، من خلال التعامل الإيجابي مع قرارات المنظمات والهيئات الدولية في ضوء المصالح الوطنية، وأن الجمعية العامة للمحكمة الدستورية هي القائمة على شؤونها، ووافقت على تعديل القانون، بما يمثل دليلا على أنه لا يحمل مخالفة دستورية.

وتستهدف الحكومة بهذه  التعديلات تمكينها من وقف تنفيذ الأحكام والقرارات الصادرة عن محاكم ومنظمات وهيئات دولية ذات طبيعة سياسية أو قضائية في مواجهة الدولة المصرية، أو التي ترتئي السلطة الحاكمة في مصر أنها تخالف الدستور أو التشريعات المحلية، كما تستهدف قطع الطريق على أي حكم ضد مصر، أو قرار مُلزم لها بأداء مستحقات، أو تعويضات مالية، أو أدبية، أو الالتزام بنصوص معينة من معاهدات دولية، أو توقيع عقوبات تتطلب رفع الضرر الواقع على أشخاص، أو أطراف أو جهات، من خلال تقدم رئيس الوزراء بطلب إلى المحكمة الدستورية لوقف تنفيذ تلك الأحكام أو القرارات بذريعة مخالفتها للدستور المصري.

 

تحفظات جوهرية

وبحسب دراسة لموقع "الشارع السياسي" بعنوان "تعديلات قانون الدستورية للإفلات من الالتزامات الدولية.. قراءة تحليلية في موقف نظام السيسي"، فإن الملاحظة الأولى هي أن مشروع القانون يمثل شكلا صارخا من أشكال التناقض واللاوعي الذي يخالف كل منطق سليم؛ إذ من المعلوم أن الاتفاقات والمعاهدات التي يُبرمها الرئيس ويصوّت عليها البرلمان بالموافقة تصبح في حكم القوانين المصرية،  وبالتالي من المفترض وطبقا لنظام المحكمة الدستورية وقانونها أن تخضع تلك القوانين للرقابة الدستورية، وإذا كانت هذه الاتفاقيات والمعاهدات تضر الأمن القومي فلماذا جرى الموافقة عليها من الأساس؟ وكيف يوقّع الرئيس على اتفاقية أو معاهدة دولية ثم يمنحها البرلمان موافقته، ثم يأتي رئيس الوزراء وهو في مرتبة أدنى من الرئيس ويطلب من المحكمة الدستورية إلغاءها كونها غير دستورية؟! هذا يخالف المنطق القانوني والعقلي، ويُلحق الضرر بصورة مصر على المستوى الدولي، وقد يشير إلى أن أهداف النظام من مشروع القانون تختلف عن المسوّغات المعلنة.

الملاحظة الثانية،وهي أن هذه التعديلات على قانون المحكمة الدستورية تُعتبر سلاحا ذا حدين، الأول: إذا استُخدم فعلا لحماية الأمن القومي المصري مثل إبطال اتفاق المبادئ بشأن سد النهضة لعام 2015، ومعاهدة التفريط في جزيرتي "تيران وصنافير" وأي معاهدات قد تضر بالأمن القومي المصري على غرار اتفاق المبادئ بالخرطوم سنة 2015م المتعلق بسد النهصة الإثيوبي، وهذا الأمر يكاد يكون منعدما للأسف بناء على مواقف النظام وتوجهاته خلال السنوات الماضية؛ وبناء على نص التعديلات ذاتها لأنها حصرت الأمر في ثلاثة إجراءات دولية هي قرارات المنظمات والهيئات الدولية وأحكام المحاكم وهيئات التحكيم الأجنبية المطلوب تنفيذها في مواجهة الدولة، أماالشق الثاني، هو تهرب النظام في مصر من التزاماته الدولية، وخاصة التي تحمي قوانين حقوق الإنسان، وتُلزم الدول على احترام حقوق الإنسان، وتجريم الاعتداء عليه، وعلى الأرجح فإن هذا هو الغرض الأساسي من مشروع القانون.

رقابة لا لزوم لها

الملاحظة الثالثة،هي أن الرقابة على قرارات المنظمات الدولية لا لزوم لها أصلا لتحقيق أغراض نظام السيسي؛ لأنه باستثناء القرارات الصادرة عن مجلس الأمن، وهي القرارات الملزمة سواء نصّت على إجراءات قسرية إنفاذية بمقتضى الباب السابع من الميثاق أو لم تنص، فإن كل قرارات المنظمات الدولية بمثابة توصيات، الدول تشترك في اتخاذ القرارات أو التوصيات وهي تنتهج السياسة في صياغتها وفي التفاوض عليها وفي اعتمادها فى حدود الإطار القانوني الذي رسمته الاتفاقية المُؤسسة للمنظمة سواء كان اسمها «دستورا» أو «ميثاقا» أو غير ذلك. الدول تحترم هذه القرارات التي هي في حقيقتها توصيات؛ لأن في ذلك مصلحتها وإلا ما أنشأت المنظمة الدولية أساسا أو انضمت إليها؛ فعضوية المنظمات الدولية الإقليمية والعالمية طوعية في نهاية الأمر.

الملاحظة الرابعة، أن هذه التعديلات سوف تؤدي إلى تقويض الاقتصاد المصري وتهديد أي شكل من أشكال الاستثمار الأجنبي، فطلب الحكم بعدم الاعتداد بأحكام هيئات التحكيم الأجنبية هو الغرابة نفسها؛ لأن هيئات التحكيم تُشكّلها الدول والشركات بمحض إرادتها؛ لتفصل في النزاعات التي يمكن أن تنشأ عن العلاقات بينها وهي تشترك في تعيين أعضاء هيئات التحكيم وكذلك القواعد القانونية التي يستندون إليها فى أحكامهم، وهل يمكن التفكير بعد ذلك في عدم الاعتداد بأحكام هذه الهيئات؛ لأنها صدرت ضد الدولة أو ضد شركة وطنية؟  ومن هذه الزاوية فإن مشروع القانون سوف يقوّض أي استثمار أجنبي لمصر ،وسيفضي إلى تقويضٍ في الثقة بالمتعاملين المصريين الناشطين في الاقتصاد الدولي، وسيؤدي إلى إحجام دولي عن التعامل مع الاقتصاد المصري  والشركات المصرية في مجالات الاستثمارات، والتجارة الدولية في السلع، والغاز، والسياحة، وإيرادات المرور في قناة السويس.

أضف إلى ذلك أن هذه التعديلات تخالف بشكل صريح اتفاقية فيينا التي وقعت مصر عليها، بشأن المعاهدات الدبلوماسية، والحاكمة لجميع اتفاقيات الأمم المتحدة والمنظمات التابعة لها، والتي تسمح للدول بالتحفظ على بعض مواد أو بنود الاتفاقيات التي توقع عليها؛ ليكون تنفيذها مُقيَّدا بالنصوص الدستورية المحلية، لكنها تحظر وقف تنفيذ القرارات والأحكام الخاصة بتلك الاتفاقيات، أو المترتبة عليها بأحكام قضائية محلية.