صورة إيمان البحر درويش .. رسائل الصدمة ودلالتها

- ‎فيتقارير

الصورة التي نشرتها "أمنية" لوالدها المطرب والفنان الشهير إيمان البحر درويش على صفحتها الخاصة بموقع التواصل الاجتماعي "فيسبوك" مساء الإثنين 10 يوليو 2023م والتي بدا فيها طريح الفراش وقد تغيرت ملامحه كليًّا وفقد الكثير من وزنه إثر تدهور حالته الصحية، أصابت المصريين والشعوب العربية بصدمة كبيرة. وحظيت الصورة بتداول واسع، وتصدر هاشتاج “إيمان البحر درويش” جميع منصات التواصل المصرية ومحرك بحث جوجل أيضًا.

ورغم غياب أي معلومات موثقة من أي مصدر مقرب من المطرب الشهير حول اختفائه منذ شهر سبتمبر الماضي "2022" حين هاجم نظام الجنرال عبدالفتاح السيسي مبديا اندهاشه من فشل النظام في حماية أمن مصر المائي في ملف سد النهضة وعدم خشيته من الاعتقال رغم ما هو معروف عن جبروت أجهزة الأمن؛ إلا أن العبارة التي كتبتها نجلته تحت الصورة المؤلمة والصادمة تحمل الكثير من المعاني والرسائل التي قد لا تقدر الأسرة على البوح بها جهرا.

«سيشهد التاريخ أن ده بقى إيمان البحر درويش»، بهذه العبارة شديدة الدلالة والوضوح تكشف ما لا يمكن للأسرة  أن تبوح به من أسرار؛ فلو كان الانهيار في صحة المطرب الشهير ناتجا عن انتكاسة صحية فلماذا يشهد التاريخ على وضعه الكارثي هذا؟  إن العبارة تحمل اتهاما ضمنيا  لجهات معينة  تعتبرها نجلة المطرب الشهير مسئولة عما آلت إليه حالة البحر درويش والذي أصبح على شفا الموت السريري، وأن المطرب الشهير قد يكون قد تعرض لعملية تنكيل وانتقام من جانب أجهزة السيسي الأمنية في أعقاب مقطعه الشهير على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي فيس في سبتمبر 2022م والتي هاجم فيها النظام وتحدى أن يقوموا باعتقاله وإلا فضحهم. ومنذ ذلك الحين اختفى المطرب الشهير ولم يعرف أين هو على وجه التحديد وسط شائعات حول اعتقاله لم يتم التثبت منها سواء من جهة وزارة الداخلية التي تتكتم على عمليات الاعتقال ولا تبوح بها مطلقا كما لا تكشف عن الأرقام الحقيقية لأعداد المعتقلين سياسيا.

من جانب آخر لم تشر نجلة المطرب الشهير في عبارتها أي ذكر لأي انتكاسة صحية للبحر درويش، ولم تشر مطلقا لأي تفاصيل حول حالته المرضية. وقد كان المطرب الشهير قد أجرى عملية جراحية دقيقة في 2019م لكنها تعافى منها وبدا في آخر مقاطعه المتلفزة على صفحته الخاصة بموقع "فيس بوك" في سبتمبر الماضي بصحة جيدة.  فما الذي جرى للبحر درويش خلال الشهور العشر الماضية وحولته إلى أنقاض؟ وما حجم التعذيب والترهيب النفسي والبدني الذي لاقاه حتى تحول إلى شبح واختفت ملامحه تماما وأصبح على شفا الموت؟ ومن ال جهة التي ارتكبت هذه الجريمة بحق مطرب شهير هو نجل مطرب ثورة 1919م سيد درويش ملحن النشيد الوطني "بلادي بلادي بلادي.. لك حبي وفؤادي"؟!

وقد اعتبر العديد من رواد مواقع التواصل الصيغة التي كتبتها أمنية تعليقًا على الصورة، مثيرة للجدل. ورأى بعضهم أنها تحمل ضمنيًّا غضبًا وانتقادًا بسبب هذا التدهور، خاصة أن أمنية قد ذكرت في العديد من منشورتها السابقة أن والدها من “المغضوب عليهم ولا يُعامل معاملة آدمية”. وكتب المجلس الثوري المصري المعارض “في أي دولة وفي أي قانون وفي أي عُرف وفي أي دين يستحق إنسان مثل إيمان البحر درويش ما حدث له؟”. ورأى محمد سعد خير الله أنه بعد انتقاد إيمان للسلطات أُدخل الفنان “دائرة النسيان، إلى أن ظهر مؤخرًا بهذه الحالة الصحية الكارثية التي تشرح لنا بوضوح ما الذي تعرّض له”.

وفي تعليقه على الصورة يقول الكاتب الصحفي وائل قنديل: «ماذا فعل إيمان البحر درويش ليكون مصيرُه على النحو الذي نطقت به صورته التي نشرتها ابنته، وأعادت نشرها الصحف والمواقع المصرية المسبّحة بحمد الاستبداد، وهذا بحدّ ذاته غريبٌ وملفت؟ هل يريد المستبدّون أن يجعلوا من هذه الصورة عبرة لكلّ من يفكّر بالنطق بما لا تهوى السلطة سماعه؟ الثابت أنّ كلّ ما فعله الفنان والنقيب السابق للموسيقيين، وحفيد مغنّي الثورة في بدايات القرن الماضي، سيد درويش، أنّه عبّر عن الأسى على التفريط في حقوق مصر بنهر النيل، وانتقد التراخي في معالجة هذا الملفّ، فكان أن اختفى ولم يظهر، حتى نشرت ابنته الصورة التي يبدو فيها بقايا إنسان، وبقايا وطنٍ شاخت ملامحه وتشوّهت خرائطه».

وكان نقيب الموسيقيين الحالي هاني شاكر قد أصدر بيانا (أمنيا بامتياز) حمل توقيعه، وقال فيه "تستنكر نقابة المهن الموسيقية ما فعله وقاله المطرب إيمان البحر درويش في بثّ مباشر على صفحته والإتيان بأفعال تحطّ من قدر أي فنان وموسيقي مصري يقبل بهذا الأسلوب المشين. وأكدت النقابة أنّ ما قاله وفعله إيمان يتنافى مع كلّ القيم المجتمعية الرصينة والثقافات الإنسانية القويمة. وشدّدت نقابة المهن الموسيقية على أنّ رواسخ المجتمع التي كانت العامل الأول في بناء مجتمع قيمي صالح، وتؤكّد النقابة على ثقتها في قيادات مصر وأجهزتها التي ثبت قدرتها على إنجاح مرحلة حاسمة في تاريخ الوطن .. تحيا مصر». وحسب قنديل فقد يخرج علينا هاني شاكر متألما من صورة زميله الفنان، وسيتجاهل أنّ بيانه الصادر بصفته نقيبًا كان من مسوّغات استباحة  البحر درويش حتى وصلنا إلى الصورة التي عليها الآن.

وفي الوقت الذي يعاني فيه البحر درويش وهو طريح الفراش بين الحياة والموت؛ تشهد الساحة الفنية سجالا وعراكا على الألقاب والأرقام، ويتنافسون على أولوية السفر والغناء في موالد الترفيه على المسارح السعودية، فيريد علي الحجّار من جماهير الأمة أن تحضر في معركته مع مدحت صالح، على من يكون الأول في حفلات "100 سنة غناء"، بينما حفيد سيد درويش يظهر أخيرًا، وكأنه مومياء عمرها أكثر من 200 سنة! ويضف قنديل: «لا أعرف كيف يمكن أن يقف فنانٌ على مسرح ويواجه الجمهور ويتبادل معه القفشات والابتسامات، بينما إيمان البحر الدرويش يظهر على هذه الصورة؟ كيف يمكن أن يقبل فنان الغناء فوق عظام زميلٍ له تكسّرت من التعذيب والتنكيل، بل كيف يمكن أن يستمتع أحدٌ بلقب الأول أو الأفضل، بينما الفن كلّه مهان ومنتهك؟ كيف يمكن لهاني شاكر أن ينظر إلى وجهه في المرآة ويتحسّس ملامحه، بينما زميله الذي حرّض عليه في بيان رسمي، يرقد بهذه الحالة؟ كيف يمكن لمن يدّعي أنه فنان أن يتألق في الغناء لسلخانة تعذيبٍ اسمُها الوطن؟!».