«ذكريات مذبحة».. توثيق لجريمة فض رابعة وموت الديمقراطية في مصر

- ‎فيتقارير

تؤكد الكاتبة الصحفية كاثرين هيرست أن فيلم «ذكريات مذبحة» الذي يستعرض توثيقا جديدا  هو الأول من نوعه لمجزرة فض اعتصام رابعة العدوية في 14 أغسطس 2013م على يد قوات الجيش والشرطة في أعقاب الانقلاب العسكري الذي قاده السفاح المنقلب عبدالفتاح السيسي في 3 يوليو 2013م؛ ليس مجرد توثيق لمذبحة، بل هو أيضا توثيق  لموت الديمقراطية المصرية وتحطم الأحلام التي تشكلت في ميدان التحرير خلال الأسابيع التي سبقت ثم لحقت سقوط الطاغية حسني مبارك.

وكان الفيلم قد تم عرضه في المسرح التابع للأكاديمية البريطانية للأفلام وفنون التلفزيون (BAFTA) مساء الخميس 3 أغسطس 2023م، وتضمن شهادات حصرية للناجين من المجزرة، وشهود عيان على ما جرى فيها، ومن بينهم غريغ سامرز رئيس الأمن السابق في قناة سكاي نيوز البريطانية، ومصعب الشامي مصور وكالة أسوشييتد برس، وديفيد كيركباتريك مدير مكتب صحيفة نيويورك تايمز في القاهرة في تلك الفترة، وآخرون ممن عايشوا المجزرة. رافق عرض فيلم "ذكريات رابعة"، وهو من إخراج نيكي بولستر، ندوة حوارية شارك فيها نشطاء وصحفيون وشهود عيان بما في ذلك خالد شلبي الصحفي في موقع ميدل إيست آي. وحاول نحو 5 أفراد أرسلتهم السفارة المصرية في لندن إفساد العرض من خلال توزيع منشور يروج لرواية السلطة العسكرية في مصر، لكن المنظمين للعرض   تمكنوا من توقفيهم وطردهم من القاعة.

وتضيف كاثرين في مقالها الذي نشره موقع "ميدل إيست آي" البريطاني السبت 5  أغسطس 2023م، أن "المذبحة كانت واحدة من أكثر الفظائع توثيقاً بالصوت والصورة في التاريخ المعاصر، فقد فتحت قوات الأمن النيران على الناس في وضح النهار". وتتهم مخرجة الفيلم "نيكي بولستر" الجيش والدولة العميقة في مصر بتدبيري الانقلاب منذ اللحظة الأولى التي تولى فيها الرئيس مرسي حكم البلاد بعد فوزه بانتخابات الرئاسة. في الرواية التي تقدمها بولستر، تمثل رابعة النهاية المباغتة لتلك الأحلام (أحلام الثورة في الحرية والعدل والمساواة والخبز). ففي خضم النشوة والابتهاج الذي تلا انتفاضة الخامس والعشرين من يناير (كانون الثاني) 2011 ضد مبارك، استعدت جماعة الإخوان المسلمين لأول انتخابات ديمقراطية تجرى في مصر. غدا مرسي، مرشحهم المفضل، أول رئيس منتخب في البلاد. ولكن على الرغم من ذلك، لم تزل البلاد في قبضة العسكر. وأصيبت فترة حكم مرسي بنقص الوقود وانقطاع الكهرباء وغياب الشرطة من الشوارع. ثم ما أن أطيح بمرسي حتى اختفت هذه المشاكل بما يشبه المعجزة.

تضمن الفيلم مقاطع من برامج إخبارية ضمن حملة عامة ضد الاعتصام، وصف المتظاهرون فيها بأنهم صراصير يتوجب أن يتم سحقهم.  أثناء الندوة التي أعقبت عرض الفيلم، قالت داليا فهمي، المحاضرة في العلوم السياسية في جامعة لونغ آيلاند: "استخدمت هذه اللغة في رواندا وفي سريبرينيشا، وفي المحرقة، وفي كمبوديا. كان ذلك بمثابة إبادة جماعية".

تسلط المخرجة بولستر الضوء على الدور الذي لعبه عدم مبالاة الفاعلين الدوليين في تكريس سلطة السيسي، ما سمح للحصانة من المساءلة التي مارسها في رابعة بترسيخ حكمه، والذي شهد منذ ذلك الحين احتجاز ما يقرب من 65 ألف معتقل لا يزالون قابعين وراء القضبان. قال عمرو مجدي، الباحث في "هيومن رايتس ووتش"، أثناء الندوة: "أظن أن الخطة لم تقتصر فقط على تفريق المتظاهرين، وإنما معاقبة الناس فعلياً وجعلهم عبرة لغيرهم". وأضاف: "ما حدث فيما بعد، خلال الأسابيع والشهور والسنين التالية، كان فعلياً أسوأ تجربة سلطوية". ولا أدل على ذلك مما ذكره روديس من أن السيسي علم بأن الولايات المتحدة لم تكن لتتدخل بعد وقوع الانقلاب. وقال في الفيلم الوثائقي: " كانت تلك التجربة من أكثر ما يسبب الاكتئاب وخيبة الأمل ويثير السخط لأننا كحكومة اتخذنا قراراً بعدم عمل شيء للوقوف في وجه هذا الانقلاب، وها نحن نرى أسوأ ما نجم عنه من تداعيات".

وبحسب ما تقوله داليا فهمي، فإن "الاستقرار" في مصر بالنسبة للإدارة الأمريكية يعني ممارسة "المزيد من القمع" ضد شعبها. وقالت: "ولكن هناك نقطة انكسار، ولعل من أكبر منح الثورة كسر حاجز الخوف". وأضافت: "كانت الولايات المتحدة سترضى بالسلطوية لأن ذلك يمثل بالنسبة لها مصدراً للاستقرار. مصر مؤهلة للانفجار من جديد، وجل ما أخشاه هو أن دورة التغيير القادمة قد لا تكون سلمية".

 

الإخوان هم الديمقراطيون

 

وبعد شهور من الانقلاب العسكري ومذبحة رابعة المروعة، اعترفت صحيفة "التلجراف" البريطانية في مقال للكاتب برندان أونيل، في ديسمبر 2013م، أن الإخوان هم من يستحقون كل جوائز الدفاع عن الديمقراطية؛ حيث  طرح حينها الكاتب عدة تساؤلات حول من هو الشخص أو المنظمة التي تستحق قيم الديمقراطية و الحرية بما أنجزته خلال عام 2013 ، ومن يستحق جائزة مناصرة القيم الديمقراطية في مواجهة قوى السلطة المستبدة القامعة للحريات الشخصية. لينتهي إلى نتيجة  مفاجئة لقرائه قائلًا " لا أصدق أنني أقول ذلك و لكنني أظن أنهم الإخوان المسلمون أو على الأقل أنصارهم في مصر".

وعلى الرغم من أن الكاتب يصرح برفضه للإخوان ويقر بالمزاعم التي تروج عنهم زورها إلا أنه يعترف في ذات الوقت بأن الجماعة وأنصارها في مصر هم من يستحقون دون غيرهم  جائزة مناصرة القيم الديمقراطية. ويسوق الأدلة والبراهين على ذلك مضيفا: «لقد جازفت الجموع المصرية المؤيدة للإخوان المسلمين بحياتها أكثر من أي مجموعة أخرى على الأرض لتحافظ على فكرة حق الشعوب في اختيار قياداتهم السياسية و التعبير بحرية عن ارائهم السياسية و غضبهم في الشوارع. بينما كان مجرد ما نفعله نحن الليبراليون في الغرب, أن نكتب عن الحقوق الديمقراطية و حرية التعبير, كان مؤيدو الإخوان في مصر يحاربون بين المطرقة و السندان من أجل هذه القيم, حتى أنهم ماتوا من أجلها, بالألاف». ويعزو الكاتب أسباب ذلك إلى تواطؤ الغرب وفشله في إدانة الانقلاب العسكري في مصر على نحو جاد وحقيقي متابعا: « نحن السبب. لقد كان فشل الغرب المذهل الذي يدعي حب الديمقراطية في إدانة الانقلاب على الأخوان المسلمين في مصر, و تحدي عزل الرئيس المصري محمد مرسي و القمع الوحشي للنظام الجديد بحق أنصاره – محمد مرسي – الذي منح الإخوان الأحقية الأخلاقية في كل ما يخص الحرية و الديمقراطية».