رغم أن الدواء أمن قومي، إلا أن السوق المصري يعاني من أزمة نقص الدواء وارتفاع أسعاره بصورة غير مسبوقة في زمن الانقلاب الدموي بقيادة عبدالفتاح السيسي، وتعاني المستشفيات من هذه الأزمة بجانب نقص المستلزمات الطبية، ما أدى إلى تأجيل الكثير من العمليات الجراحية الضرورية وطول قوائم الانتظار.
الخبراء أكدوا أن جذور الأزمة ترجع إلى أن 95% من صناعة الدواء في مصر تعتمد على الاستيراد من الخارج، وهو ما سبب مشكلة أزمة نواقص الأدوية، إلى جانب مشكلة رفع أسعار الأدوية لقرابة 200 صنف منذ العام الماضي2022 ؛ ليعاني المريض المصري، تارة من النواقص وتارة أخرى من ارتفاع الأسعار.
وأرجع الخبراء أزمة النواقص إلى عدم وجود إدارات متخصصة تقوم بعمل استطلاعات أو دراسات تنبؤيه لحل المشكلات قبل وقوعها، بالإضافة إلى نقص الدولار وارتفاع اسعاره أمام الجنيه .
وطالبوا حكومة الانقلاب باتخاذ خطوات جادة لإيجاد حلول لأزمة نواقص الأدوية والمستلزمات الطبية، لأن الدواء سلعة استراتيجية لها أولويات التدبير، للسيطرة على طوابير الانتظار وأبرزها عمليات القلب والعظام والأورام منذ أكثر من عام.
المستشفيات
من جانبه قال محمود فؤاد، المدير التنفيذي للحق في الدواء: إن “المستشفيات سواء كانت تابعة لوزارة صحة الانقلاب أو هيئة المستشفيات التعلمية أو المستشفيات الجامعية جميعا تشتكي نقص المستلزمات الطبية خاصة التي تدخل في العمليات أشهرها عمليات القلب وتغيير المفاصل، ما سبب مشكلات لمراكز القلب في مصر”.
وتوقع «فؤاد» في تصريحات صحفية أن يزداد الأمر سوءا خلال الأيام المقبلة، إذا استمر هذا النهج حتي بداية العام المقبل ٢٠٢٤ وبالتالي تتوسع دائرة النواقص لتضم الأصناف المحلية التي تغطي ٨٠٪ من السوق المصرية، أما نسبة لـ٢٠٪ المتبقية، فتضم أدوية الأمراض المستعصية التي تأتي استيرادا من الخارج، سواء كانت كاملة، أو مواد خام يتم تصنيعها بالداخل.
وأضاف، الآن أصبحنا نعتمد على المخازن في السحب مع عدم تعويضه بمواد خام جديدة، بسبب مشكلة أسعار الصرف، مما يعني أننا إذا استمر هذا المعدل فسنواجه مشكلة في أدوية الصداع والقولون العصبي والمعدة وجرثومة المعدة، إضافة إلى الأدوية المتداولة والشائعة التي تستطيع الشركات المصرية إنتاجها بكل سهولة.
وأوضح «فؤاد» أن نواقص الأدوية المستوردة تتمثل في أدوية أمراض الدم والأمراض المناعية، وجميع أدوية الغدة، وبعض أدوية السكر والقلب، وجميع أدوية ضمور العضلات، وجميع أدوية التصلب المتعدد، وجميع أدوية مراحل ما بعد زرع الكلى والكبد، معربا عن أسفه لأن جميع هذه الأصناف غير موجودة بالسوق المصرية سواء كانت إنتاجا محليا أو استيرادا من الخارج.
وأرجع جذور المشكلة إلى عدم إتاحة الدولار بشكل كاف للمصنعين، مشيرا إلى أن غرفة صناعة المستلزمات الطبية منذ شهرين عملت استغاثة وتحذيرا بأن الرصيد لديها قارب على الانتهاء، نتيجة توقف الافراجات الجمركية.
ولفت إلى أن الحلول في يد هيئة الشراء الموحد التي تم تشكيلها بقانون والتي كان من المفترض أن تكون اختصاصاتها توفير كل المستلزمات الطبية والأدوية لمستشفيات جمهورية مصر العربية، وتعمل على تقليل الفساد والمصالح إلي جانب ترشيد الاستخدام.
وحذر «فؤاد» من أن الدواء أمن قومي وعلينا البحث في كل السبل لتوفير الأدوية وتيسير إجراءات الإفراج الجمركي عن شحنات الأدوية والأمصال والمواد الخام والمستلزمات الطبية عقب انتهاء الإجراءات، موضحا أننا نعاني من إشكالية عدم السرعة في الاستجابة، خاصة أننا نعيش الأزمة منذ عام كامل، ما سبب تأخر العمليات وزيادة طوابير الانتظار.
مستلزمات الإنتاج
وقال الدكتور أحمد السواح، خبير صناعة الدواء: إن “الأزمة الحقيقية تتمثل في توفير مستلزمات الإنتاج التي تقوي الصناعة والبحث في التكنولوجيا المستخدمة، وهل تغطي الاحتياجات المطلوبة في صناعة الدواء؟ وهنا لا بُد من بناء الاستراتيجيات الواضحة لصناعة الدواء.
وشدد «السواح» في تصريحات صحفية على ضرورة أن تقدم هيئة الدواء المصرية بعض التسهيلات بحيث تنهض الصناعة ويتم افتتاح المصانع، فمثلا في العالم كله حينما يفقد الدواء براءة الاختراع يهبط سعره بشكل قوي جدا إلا في مصر، علاوة أن فارق الأسعار بين الأدوية المثيلة وبين الأدوية الأصلية التي تُصنع وطنيا فالمفترض تكون الفروق لا تزيد على ٣٠٪ إلا مصر.
وأضاف، هنا يستلزم إعادة التسعير بشكل جذري، حيث ما يتم هو رفع الأسعار للجميع سواء الأدوية الغالية أو الرخيصة، مما يسبب فجوات في الأسعار بشكل كبير فلدينا دواء بثمن ٢٥٠ جنيها ونظيره بنفس المادة الخام بسعر ٣٠ و٤٠ جنيها، وهنا تظهر المشكلة بشكل كبير .
وأكد «السواح» أن هناك أصنافا دوائية لها أكثر من ٢٠ سنة في السوق وحققت أرباحا طائلة، وجاء الوقت لتحديد الربحية ودعم المصانع المحلية حتى تتمكن من المنافسة في السوق الدوائية، لكن يمكن استثناء الأسعار في حالة الدواء المتفرد أو الدواء الذي لا مثيل له.
وطالب بضرورة مواجهة الأسعار لصالح المريض، خاصة أن هناك ممارسات غير منضبطة تتم بين ترشيح أطباء بعينها لأدوية الشركات العالمية نظير مصالح ومؤتمرات طبية وغيرها لتجد أنه من خلال تحليل مبيعات الأدوية لصنف مُعين بأن الصنف صاحب السعر الأعلى ٢٥٠ جنيها يحتل ٧٠٪ من المبيعات مقابل ٣٠٪ فقط للمبيعات ذات السعر الأقل.
حل سحري
وطالب الدكتور حاتم بدوي، السكرتير العام للشعبة العامة للصيدليات بالاتحاد العام للغرف التجارية هيئة الدواء المصرية بأن تعمل بشكل غير تقليدي للسيطرة على أزمة نواقص الأدوية التي طالت أكثر من ٢٠٠ صنف دوائي في غاية الخطورة على رأسها أدوية السكر والأنسولين والهرمونات والأورام، مؤكدا أن هذه الأصناف تعتبر الأكثر إلحاحا في الطلب، والأكثر أهمية ولذا لا بُد من توفيرها.
وكشف «بدوي» في تصريحات صحفية أن أزمة النواقص ترجع جذورها لتوفير العملة الأجنبية للاستيراد، لأننا نستورد ٩٠٪ من الأدوية مدخلاتها ومستلزمات الإنتاج سواء مواد خام، علاوة على استغلال الشركات المصنعة للموقف في الضغط على حكومة الانقلاب ممثلة في هيئة الدواء لرفع أسعار الدواء وبالفعل استجابت وقررت رفع أسعار الدواء، وهناك أصناف زادت ٣ مرات خلال السنة الواحدة.
وأشار إلى غياب عدالة التوزيع لأن الشركات المصنعة للدواء لا توصل الدواء مباشرة للصيدلية، ولكن عبر وسيط وهي شركات التوزيع التي تمارس أدوار التلاعب والاحتكار وتوزع بكميات غير عادلة على الـ٨٠ ألف صيدلية الموزعة بجميع أنحاء الجمهورية وتتركز الأدوية خلال ٣ أو ٤ آلاف صيدلية من ذوي المصالح والعلاقات فقط .
ودعا «بدوي» هيئة الدواء المصرية إلى إيجاد حلول غير تقليدية لأزمة الأدوية المستوردة، علاوة عن مجموعة من الخطوات أبرزها توفير الدولار الدوائي كحل سحري لاستيراد المواد الخام للشركات المصنعة داخل مصر وهذا يُخرس أصوات الشركات التي تطالب برفع أسعار الدواء، علاوة على تطبيق منظومة التتبع الدوائي لضرب الاحتكار بمعنى التوزيع العادل للدواء الناقص لكي نستطيع أن نغطي أكبر منطقة جغرافية من الدواء الناقص.