الحكومة تبرر التخارج بتوسيع دور القطاع الخاص.. ومنتقدون يسألون: لماذا الآن وأين تذهب حصيلة البيع؟
تتجه حكومة المنقلب السفيه السيسى ،إلى تسريع برنامج طرح الشركات المملوكة للدولة في البورصة، مع إعلان استهداف إدراج نحو 20 شركة اعتباراً من ديسمبر المقبل، في خطوة تفتح مجدداً النقاش حول مستقبل أصول الدولة، وأسباب الإسراع في بيع حصص من شركات حكومية، خصوصاً في ظل الأزمة المالية والضغوط المتزايدة على الموازنة العامة والعملة الأجنبية.
وأعلنت الحكومة، عقب اجتماع ترأسه رئيس الوزراء مصطفى مدبولي في مدينة العلمين الجديدة لمتابعة ملف الشركات المملوكة للدولة، أن برنامج الطروحات وإعادة الهيكلة يسير وفق الجدول الزمني المعلن، وأنه يأتي في إطار تنفيذ وثيقة سياسة ملكية الدولة، التي تستهدف توسيع مشاركة القطاع الخاص وجذب الاستثمارات المحلية والأجنبية.
وقال مساعد رئيس الوزراء والرئيس التنفيذي لوحدة الشركات المملوكة للدولة هاشم السيد إن القيد النهائي وطرح عدد من الشركات الحكومية في البورصة سيبدأ اعتباراً من ديسمبر المقبل، موضحاً أن الحكومة تستهدف إدراج نحو 20 شركة، بعد استكمال الإجراءات القانونية والمالية وإعادة الهيكلة ومتطلبات الحوكمة والقيد.
لماذا تبيع الدولة شركات قد تحقق أرباحاً؟
يطرح تسريع برنامج الطروحات سؤالاً جوهرياً حول جدوى التخارج من شركات مملوكة للدولة، خاصة تلك التي تحقق أرباحاً أو تمتلك أصولاً استراتيجية وتدفقات نقدية مستقرة.
فمن وجهة نظر الحكومة، فإن طرح حصص من هذه الشركات لا يعني بالضرورة بيعها بالكامل، وإنما توسيع قاعدة الملكية وإدخال مستثمرين من القطاع الخاص، بما قد يسهم في تحسين الإدارة ورفع الكفاءة وتطوير الأداء. كما ترى الحكومة أن بعض الأصول يمكن أن تحقق قيمة أعلى في حال إعادة هيكلتها وطرحها أمام المستثمرين.
لكن منتقدين للسياسة الاقتصادية الحالية يرون أن السؤال الأهم هو: **هل تحتاج الدولة بالفعل إلى بيع أصول مدرة للدخل، أم أن الأزمة المالية دفعتها إلى تحويل ممتلكات عامة إلى مصدر سريع للسيولة؟**
ويشير هذا الطرح إلى أن بيع شركة رابحة قد يوفر للحكومة عائداً استثنائياً مرة واحدة، بينما تفقد الدولة في المقابل جزءاً من أرباح مستقبلية كان يمكن أن تساهم في دعم الموازنة لسنوات طويلة. ومن هنا تأتي المخاوف من أن يتحول برنامج الطروحات إلى وسيلة لمعالجة أزمات مالية قصيرة الأجل على حساب ملكية عامة ذات قيمة طويلة الأجل.
لماذا الآن؟
يتزامن تسريع الطروحات مع ضغوط مالية واقتصادية كبيرة تواجهها مصر، في مقدمتها ارتفاع أعباء الدين والحاجة إلى تدبير موارد بالعملة الأجنبية، إلى جانب فجوة بين الواردات والصادرات.
وتشير البيانات الواردة في التقرير إلى أن الدين تجاوز 164 مليار دولار بنهاية مارس/آذار الماضي، فيما تتوقع موازنة العام المالي 2026-2027 عجزاً في الميزان التجاري في حدود 40 مليار دولار، وفق التقديرات الحكومية.
وفي هذا السياق، يرى منتقدون أن توقيت تسريع عمليات البيع لا يمكن فصله عن حاجة الحكومة إلى توفير سيولة وتمويلات عاجلة، سواء لسداد أقساط وفوائد الديون أو لتغطية احتياجات الاقتصاد من النقد الأجنبي.
وبحسب هذا الرأي، فإن السؤال لا يتعلق فقط بقرار طرح الشركات، وإنما **بمدى اضطرار الدولة إلى بيع جزء من أصولها تحت ضغط الديون والسيولة، بدلاً من معالجة جذور الأزمة الاقتصادية التي أدت إلى هذا الوضع**.
أين تذهب أموال بيع الأصول؟
من أكثر الأسئلة التي تثير الجدل في ملف الطروحات الحكومية مصير حصيلة البيع.
فالحكومة تتحدث عن تعظيم العائد من أصول الدولة وتوفير موارد بالعملة الأجنبية، بينما يرى منتقدون أن جزءاً كبيراً من حصيلة التخارج قد ينتهي إلى تمويل التزامات مالية عاجلة، وعلى رأسها خدمة الدين وسد فجوات التمويل، بدلاً من توجيهها إلى استثمارات إنتاجية جديدة تخلق موارد مستدامة.
وهنا يبرز تساؤل آخر: **إذا كانت حصيلة بيع أصل مملوك للدولة تُستخدم لسداد ديون مستحقة، فماذا يتبقى من الأصول بعد انتهاء عملية البيع؟**
ويحذر أصحاب هذا الرأي من أن بيع الأصول لسداد الديون قد يوفر متنفساً مؤقتاً، لكنه لا يحل بالضرورة مشكلة الدين إذا لم يترافق مع إصلاحات هيكلية تقلل الحاجة إلى الاقتراض مستقبلاً. وفي هذه الحالة، قد تجد الدولة نفسها مضطرة إلى بيع أصول جديدة كلما تجددت الضغوط المالية.
### من يراقب بيع أصول الدولة؟
يثير برنامج الطروحات أيضاً أسئلة حول مستوى الرقابة والشفافية المصاحبة لعمليات بيع أو طرح حصص الشركات الحكومية، وحول دور البرلمان والصحافة في مناقشة تفاصيل هذه الصفقات.
ويرى منتقدون أن بيع أصول مملوكة للشعب لا ينبغي أن يكون مجرد قرار تنفيذي، بل يجب أن يخضع لنقاش عام واسع ورقابة برلمانية حقيقية، خصوصاً فيما يتعلق بتقييم الشركات، وسعر الطرح، والجهات المستفيدة، ومصير حصيلة البيع، وما إذا كانت الأسعار تعكس القيمة الحقيقية للأصول أم تتأثر بالظروف الاقتصادية التي تمر بها البلاد.
كما يطرحون تساؤلات بشأن الدور الذي تلعبه وسائل الإعلام في متابعة هذا الملف، ولماذا لا يحظى بيع الأصول الحكومية بالنقاش نفسه الذي تحظى به الملفات الاقتصادية الأخرى، رغم تأثيره المباشر في مستقبل الاقتصاد وملكية الدولة.
وبحسب هذا الطرح النقدي، فإن غياب النقاش العام الواسع قد يجعل المواطن أمام قرارات تتعلق بأصول ضخمة دون أن يعرف بصورة كافية **ما الذي بيع، وبأي سعر، ولمن، وأين ذهبت الأموال، وما الذي ستملكه الدولة بعد سنوات من استمرار برنامج التخارج**.
### بين الإصلاح الاقتصادي وبيع ممتلكات الدولة
تؤكد الحكومة أن برنامج الطروحات جزء من إعادة هيكلة الاقتصاد، وأن توسيع دور القطاع الخاص يمكن أن يحسن الكفاءة ويزيد الاستثمار ويجذب رؤوس الأموال الأجنبية.
لكن الجدل الحقيقي، بحسب منتقدي البرنامج، لا يدور حول مبدأ مشاركة القطاع الخاص في الاقتصاد، وإنما حول **حدود هذه المشاركة وطبيعة الأصول التي يجري التخارج منها وتوقيت البيع واستخدام حصيلته**.
فإذا كان الهدف هو إصلاح الشركات المتعثرة ورفع كفاءتها، يتساءل منتقدون: لماذا لا يتم إصلاحها أولاً ثم طرحها بعد استعادة قيمتها الحقيقية؟ وإذا كانت بعض الشركات رابحة، فلماذا يتم التخارج منها في وقت تحتاج فيه الموازنة إلى مصادر دخل مستدامة؟ وإذا كانت حصيلة البيع ستذهب في الأساس إلى سداد الديون، فهل يمثل ذلك حلاً للأزمة أم تأجيلاً لها؟
وبينما تقول الحكومة إن طرح نحو 20 شركة في البورصة يمثل خطوة نحو اقتصاد أكثر تنافسية ومشاركة أكبر للقطاع الخاص، يرى معارضون أن المسألة تتجاوز مجرد برنامج اقتصادي إلى قضية تتعلق بمستقبل ملكية الدولة نفسها.
وفي ظل تسارع عمليات التخارج، يبقى السؤال الأبرز: **هل تستخدم مصر أصولها لإعادة بناء اقتصاد أكثر إنتاجية واستدامة، أم أن الضغوط المالية المتراكمة تدفعها إلى بيع جزء من ثروتها لتوفير سيولة مؤقتة وسداد التزامات عاجلة؟**
الإجابة عن هذا السؤال ستتوقف بدرجة كبيرة على مستوى الشفافية في عمليات الطرح، وآليات تقييم الأصول، ومصير حصيلة البيع، وقدرة الدولة على تحقيق موارد جديدة ومستدامة بدلاً من الاعتماد المتكرر على بيع ممتلكاتها.