رسالة من زنزانة وزوجة تبحث عن زيارة.. استغاثات أسرية تطالب بالإفراج عن المعتقلين قبل رمضان

- ‎فيتقارير

 

قبل شهر من رمضان، لا تأتي الاستغاثات هذه المرة في شكل أرقام أو بيانات، بل كحكايات بشرٍ أنهكهم الانتظار، وأسماءٍ صارت أثقل من الجدران التي تحاصرها.

هذه ليست قصة واحدة، بل عشرات الآلاف من القصص المتشابهة في وجعها. أكثر من 60 ألف معتقل، لكل واحدٍ منهم بيت ينتظر، وأمّ تدعو، وطفل يسأل. ومع اقتراب رمضان، ترتفع النداءات لا طلبًا لامتياز، بل لحق بسيط: أن يعود الغائبون إلى بيوتهم، أو على الأقل أن تُفتح نافذة أمل في جدار السجون.

 

 

أمٌّ رحلت ولم ترَ ابنها

 

في قرية ميت سهيل بالشرقية، أُغلِق بيت صغير الأسبوع الماضي على حزنٍ قديم. والدة الداعية شبل عبدالعزيز رحلت، وقبل أن تُغمض عينيها كانت تردد اسم ابنها الذي غاب عنها منذ منتصف 2013. ثلاثة عشر عامًا لم ترَ وجهه، ولا وجه حفيدها باسل الذي دخل السجن وهو في الثامنة عشرة. “ماتت مكلومة”، يقول أحد أقاربها، “كانت تنتظر رمضانًا واحدًا فقط يعود فيه ابنها إلى البيت”.

 

زوجة تخشى الخبر السيئ

 

رفيدة حمدي، زوجة محمد عادل، لا تنام ليلها كاملًا. هاتفها بجوار الوسادة، تخشى مكالمة تأتي بخبر أسوأ من سابقه. زوجها تعرّض لاعتداء داخل سجن العاشر من رمضان، وحين تقدمت بالبلاغات لم تطلب سوى شيء واحد: “احموه”. تقول إن رمضان يقترب، لكنها لا تعرف إن كان سيصل إليه حيًّا.

 

طفلة تكره السجون

 

في بيت آخر، تحاول سارة بنداري أن تشرح لطفلتها ذات الخمس سنوات لماذا لا يعود الأب ولا الجد. الطفلة، كما تحكي أمها، قالت ببساطة: “أنا بكره السجن”. جملة قصيرة خرجت من فم صغير، لكنها تختصر سنوات من الغياب لوالد معتقل منذ ستة أعوام، وجدٍّ وعمٍّ في القضية ذاتها.

 

رسالة من زنزانة

 

مدثر محمد عبدالحميد، 25 عامًا، كتب من محبسه رسالة قصيرة: “لم أعد أحتمل”. شارك في تظاهرة دعم غزة، فوجد نفسه في سجن العاشر من رمضان منذ أكتوبر 2023. يكتب عن تعب الجسد، وضيق النفس، وعن أمٍّ تنتظر أن تسمع صوته قبل الإفطار.

 

زوجة تبحث عن زيارة

 

سناء عبدالجواد لا تطلب معجزة. تريد فقط زيارة زوجها محمد البلتاجي. آخر مرة رأته كانت في يناير 2015. منذ ذلك الحين، تسمع عن تعذيب، وتكبيل في سرير، ومرضٍ يتفاقم. تقول إن رمضان بات موسم خوف، لا طمأنينة فيه.

 

أب يخاف على ابنته

 

أبٌ آخر يكتب استغاثة عن ابنته آلاء، أمّ لثلاثة أطفال، معتقلة بلا حكم. يقول إن الأصعب ليس السجن، بل الصمت الذي يحيط بقضايا النساء. “بناتنا يختفين، ولا أحد يسأل”.

 

محامٍ لا يقوى على الوقوف

 

في قاعة المحكمة، دخل أحمد نظير الحلو مستندًا إلى فردي أمن. قدماه لا تحملانه. يشكو من شلل رباعي، بينما يعود إلى زنزانته في سجن بدر 3. زوجته تخشى أن يتحول رمضان إلى موعد عزاء.

 

أمهات الأولتراس

 

في بيوت متفرقة، تنتظر أمهات 38 شابًا من مشجعي الأهلي رمضانًا مختلفًا. بعضهم محتجز منذ 2018. تجهّز الأمهات موائد الإفطار، وتضع طبقًا زائدًا “تحسبًا للفرج”، كما يقلن.

فيما استبق حقوقيون وصحفيون وأسر معتقلين مصريين اقتراب شهر رمضان، بإطلاق نداءات واستغاثات واسعة تطالب بالإفراج عن أكثر من 60 ألف معتقل، يقبع أغلبهم في السجون منذ عام 2013، وسط أوضاع وصفت بغير الإنسانية، وتسببت – بحسب منظمات حقوقية – في حالات وفاة وإصابات خطيرة.

 

وأكدت أسر معتقلين أن أبناءهم محتجزون دون صدور أحكام نهائية، أو استنادًا إلى تحريات أمنية فقط، مشيرين إلى أن سنوات الحبس الطويلة حرمت عائلات كاملة من أبسط حقوقها، خاصة مع استمرار منع الزيارات في عدد من السجون.

 

 

مطالب بتفعيل إخلاءات السبيل ووقف “التدوير”

 

في هذا السياق، دعا محامون وحقوقيون السلطات إلى إعادة تفعيل قوائم إخلاء السبيل المتوقفة منذ أشهر، لتشمل قضايا الانضمام والتمويل، وقضايا دعم غزة، ونشر الأخبار الكاذبة، وقضايا الألتراس، مع وقف ما يُعرف بـ“التدوير” وإظهار المختفين قسريًا.

 

وطالبوا بالفصل في القضايا المحالة للجنايات، وتمكين الأهالي من الزيارات، باعتبارها “الحد الأدنى من الحقوق المكفولة قانونًا”.

 

استغاثات من سجون بدر والعاشر وبرج العرب

 

وسلطت منظمات حقوقية الضوء على أوضاع عدد من السجون، لا سيما سجن بدر 3، والعاشر من رمضان، وبرج العرب، حيث تحدثت عن إهمال طبي ممنهج، ومنع للأدوية، واعتداءات داخل الزنازين، ووقوع محاولات انتحار، إلى جانب تسجيل وفيات خلال عام 2025 مرتبطة بتدهور الأوضاع الصحية.

 

كما أشارت إلى تزايد الإصابات بالأمراض الخطيرة، وعلى رأسها السرطان، في ظل تأخر العلاج واشتراط “موافقات أمنية”.

 

نساء وأطفال في دائرة المعاناة

 

وتزايدت الاستغاثات الخاصة بالمعتقلات، حيث طالبت أسر بوقف احتجاز النساء دون مسوغ قانوني، والإفراج عن أمهات لأطفال، مع التحذير من تراجع الاهتمام الإعلامي والحقوقي بقضايا النساء.

 

كما نقلت منظمات حقوقية نداءات مؤثرة من أطفال معتقلين، تحدثوا عن حرمانهم من آبائهم لسنوات طويلة، وتأثير ذلك نفسيًا واجتماعيًا عليهم.

 

أكاديميون ومحامون وصحفيون خلف القضبان

 

وشملت الاستغاثات أساتذة جامعات، ومعيدين، وأطباء، ومحامين، وصحفيين، بعضهم مختفٍ قسريًا منذ سنوات رغم صدور قرارات بإخلاء سبيلهم، أو عفو رئاسي سابق، وسط مطالب بالكشف عن مصيرهم وتمكينهم من العلاج والرعاية الصحية.

 

أرقام صادمة

 

وبحسب تقارير حقوقية، بلغ عدد المختفين قسريًا منذ عام 2013 أكثر من 20 ألف شخص، فيما تم رصد أكثر من 1200 حالة وفاة داخل مقار الاحتجاز خلال الفترة نفسها، نتيجة التعذيب أو الإهمال الطبي وسوء ظروف الاحتجاز، إضافة إلى صدور آلاف الأحكام القضائية، بينها أحكام إعدام.