النتائج المترتبة على قرار حكومة الانقلاب الذي أصدرته الأربعاء 5 يوليو2023م كارثية على الاقتصاد وأزمة الدولار والنقد الأجنبي؛ وذلك حين وافقت الحكومة على تخصيص قطعة الأرض رقم (5) الواقعة جنوبي طريق السويس، شرقي العاصمة القاهرة، بمساحة 50.4 ألف متر مربع، لصالح إحدى شركات الاستثمار العقاري، بغرض إقامة تجمع سكني متكامل (كمبوند) بمدينة القاهرة الجديدة، وذلك بنظام البيع بالدولار الأميركي من خارج البلاد. كما أقر المجلس تخصيص قطعة أرض على محور جمال عبد الناصر في مدينة السادس من أكتوبر بمحافظة الجيزة، بمساحة 54.6 ألف متر مربع، لصالح إحدى شركات التنمية العمرانية لإقامة نشاط عمراني مختلط، بنظام البيع نفسه بالدولار الأميركي المحول من خارج البلاد. هذا القرار ليس الأول من نوعه؛ فقد سبق وافقت الحكومة على تخصيص قطعة أرض بمنطقة “اللوتس” السكنية بالقطاع الرابع في مدينة القاهرة الجديدة (التجمع الخامس)، لإقامة نشاط عمراني متكامل وخدمي على مساحة نحو 16 فداناً، من خلال نظام البيع بالدولار بدلاً من الجنيه لصالح إحدى شركات التطوير العقاري.
ومنذ مارس 2022م؛ مع تفاقم أزمة الدولار بهروب نحو 22 مليار دولار من الأموال الساخنة تعطي الحكومة أفضلية لبيع الأراضي والعقارات المملوكة للدولة لمن يدفع بالدولار، بعدما تسببت السياسات الحكومية في قفزات هائلة لأسعار العقارات، أدت إلى ركود وضعف الطلب على الشراء. وتبرر الحكومة هذه الامتيازات الخاصة لحائزي الدولار من خلال البيع بالدولار للمشروعات السكنية والخدمية بأنها تستهدف جذب تحويلات الخارج من العملة الصعبة، مع الأخذ في الاعتبار إمكانية تملك الأجانب للعقارات في مصر، من دون التقيد بعدد محدد منها. ولم تكتف حكومة السيسي بذلك بل ألزمت العديد من الشركات العقارية العربية والمحلية عملاءها بسداد قيمة العقارات بالدولار، أو بالقيمة الموازية للعملة الأميركية في السوق السوداء، وهي 40 جنيهاً للدولار مقابل نحو 31 جنيهاً في البنوك. (الدولار = 30.85 جنيها).
الرسالة التي تصل إلى عموم الجمهور أن الحكومة تمنح الحائزين الدولار امتيازا خاصا على حساب عموم الناس؛ وتظن الحكومة أنها بذلك قد تجني عدة ملايين من الدولارات تساعدها في الأزمة العنيفة التي تمر بها؛ لكن تقديرات الحكومة لم تضع في الاعتبار أن ذلك سوف يؤدي إلى زيادة المضاربة على الدولار بما يؤدي إلى إنعاش السوق السوداء واتساع الفجوة بين السعر الرسمي والسعر الموازي، وفي النهاية فإن ذلك سوف ينعكس سلبا على السوق فكلما ارتفعت قيمة الدولار في السوق الموازية ارتفعت معدلات الدولرة (الادخار بالدولار)، وزاد تمسك الناس به على أمل تحقيق المزيد من المكاسب والأرباح. وهذا سوف يفضي حتما إلى زيادة الأسعار وارتفاع معدلات التضخم وتآكل قيمة الجنيه؛ وبالتالي زيادة معدلات البطالة والفقر والجوع.
وتعتبر تحويلات المصريين بالخارج هي المصدر الثاني من مصادر الدخل القومي بعد التصدير؛ حيث ارتفعت إلى 31.9 مليار دولار في موازنة (2021 / 2022)، لكن هذه المعدلات تراجعت بنحو 23% خلال النصف الأول من العام المالي (2022/2023) حسب بيانات البنك المركزي المصري، مسجلة 12 مليار دولار مقابل نحو15.6 مليارا في ذات الفترة من العام السابق عليه؛ بفعل التراجع الحاد في قيمة الجنيه، بعد تخفيض الجنيه ثلاث مرات في مارس وأكتوبر 2022م ويناير2023م؛ من 15.7 جنيها إلى 31 جنيها في مايو 2023م.
وحسب خبراء ومحللين فإن تراجع تحويلات المصريين في الخارج لا يقلّ خطورة عن خروج مليارات الدولارات من “الأموال الساخنة” من البلاد خلال الفترة التي تزامنت مع اندلاع الحرب الروسية الأوكرانية، والمتغيرات السياسية والاقتصادية المحلية والدولية التي تسببت بشكل مباشر أو غير مباشر في تراجعها. وحسب الخبير الاقتصادي ممدوح الولي فإن معظم تحويلات المصريين في الخارج تتجه إلى أسر المغتربين ولا تذهب إلى الحكومة، وهذه الأسر تقوم ببيع ما لديها من عملة أجنبية كلما اقتضت ضرورات المعيشة ذلك، وربما فعلوا ذلك في السوق السوداء وليس عبر القنوات الرسمية ليستفيدوا بفارق سعر الصرف؛ بمعنى أن هذه الأموال لا تدخل خزينة الدولة أو البنوك بما يسمح باستخدامها في فاتورة الاستيراد على نحو أمثل.
وتقدم النائب محمود عصام موسى بطلب إحاطة في مايو 2023م إلى رئيس مجلس الوزراء مصطفى مدبولي ووزير المالية محمد معيط ووزيرة التخطيط والتنمية الاقتصادية هالة السعيد و ووزيرة الهجرة سها جندي، ووزير القوى العاملة حسن شحاتة، بشأن استمرار تراجع تحويلات المصريين في الخارج، وتداعيات ذلك سلباً على الاقتصاد المصري. وحذر موسى من إحجام كثير من العاملين في الخارج عن عمليات التحويل في القنوات الرسمية، بسبب اتساع الفجوة بين سعر الصرف الرسمي وغير الرسمي، ونشاط تجار العملة خارج البلاد، في وقت تمثل تحويلات المغتربين المورد الأكثر تأثيراً على تدفقات النقد الأجنبي في مصر. وأضاف النائب في طلب الإحاطة أن تجار العملة استطاعوا تكوين شبكات واسعة من المعاملات في دول الخليج خارج الإطار الرسمي، إذ يشتري التاجر الدولار من المصري المقيم في الخارج بسعر أعلى من البنوك الرسمية، ويسلم هذه الأموال بالجنيه إلى ذويه في مصر. كما دعا إلى “ضرورة إعفاء الحكومة تحويلات المصريين في الخارج من أي ضرائب أو رسوم على عمليات التحويل عبر البنوك الرسمية، بما يسهم في خفض تكلفة التحويل، وعدم تركهم فريسة لسماسرة الأموال في الخارج”. ويحقق سماسرة العملة الصعبة في الخارج منافع مزدوجة للمصريين المقيمين في الخارج والمستوردين في الداخل معاً، بعدما اضطر قطاع كبير من المصريين في الخارج إلى اعتماد قنوات غير رسمية لتحويلاتهم بعيداً عن المصارف الرسمية، تجنباً لسعر الصرف الرسمي الضئيل مقابل سعر صرف عالٍ في السوق السوداء، والاستفادة من فارق يصل إلى 8 جنيهات عن كل دولار. وهؤلاء السماسرة الذين ساعدوا المصريين في الخارج على تحويل أموالهم بمقابل أكبر من سعر التحويل الرسمي يؤدون مهمة أخرى على الجانب الآخر، وهي دفع هذه الدولارات للموردين الأجانب المتعاملين مع مستوردين مصريين عاجزين عن الحصول على الدولار من السوق الرسمية.
وفقدت العملة المصرية أكثر من 80% من قيمتها منذ اغتصب الجنرال عبد الفتاح السيسي الحكم بانقلاب عسكري في يوليو 2013م، على خلفية التوسع في تنفيذ المشاريع العملاقة الممولة بقروض خارجية ضخمة، والتي يرى كثير من الخبراء أنها لا تعود بالنفع على الاقتصاد أو المواطن، وفي مقدمتها مشروع العاصمة الإدارية الجديدة، الذي قدرت كلفته بنحو 58 مليار دولار.