في الوقت الذي تقف مصر أمام منعطف مالي واقتصادي غير مسبوق، إذ تقف مصر مطالبة بسداد أكثر من 2 مليار دولار، خلال العام المالي الجاري، وسط نضوب الإيرادات الدولارية إثر هروب الاستثمارات من مصر وتراجع حاد في تحويلات المصريين بالخارج، بسبب سياسات البنوك المصرية الجائرة، وتراجع معدلات السياحة وإلغاء أكثر من 50% من الحجوزات الشتوية بمصر، بسبب الحرب في غزة، واضطرار مصر لتعويم جديد للجنيه كأحد مطالب صندوق النقد الدولي، ما يكلف الموازنة العامة للدولة المزيد من الديون.
وأمام تلك المعضلات التي تهدد بانهيار اقتصادي كبير، يفاقمه تجاوز نسب التضخم لأكثر من 40% ما يخلق حالة من عدم الاستقرار ، تدفع ملايين المصريين نحو دائرة الفقر التي لا ترحم.
وبجانب تلك الحالة، تأتي الحرب الإسرائيلية على غزة، لتفاقم أزمات مصر الاقتصادية، سواء بوقف واردات الغاز لمصر ما يوقف مشروع السيسي لتصدير الغاز المسال لأوروبا، ويؤزم قطاع الطاقة والكهرباء بالداخل المصري، علاوة على الضغوط الأمريكية والأوروبية والإسرائيلية لتهجير سكان غزة إلى مصر، في سيناء أو داخل مدن القاهرة الكبرى، وفق المخططات الصهيونية.
ووسط تلك الوضعية المأزومة، يأتي إعلان الاتحاد الأوروبي عن إمكانية شراء شحنات من الحبوب أو الأسمدة لمصر؛ لدعمها اقتصاديا، في مقابل اتفاق أوسع بشأن الهجرة.
تدفق الحبوب
ووفق تقرير لصحيفة “فايننشيال تايمز” البريطانية، فإن المفوضية الأوروبية تبحث إمكانية الاستفادة من تدفق الحبوب والأسمدة الأوكرانية إلى شمال أفريقيا للحصول على شروط أفضل بشأن صفقة هجرة محتملة مع مصر.
ونقلت الصحيفة عن مصادر لم تسمها القول: إن “من شأن هذه الخطوة الاستراتيجية أن تعزز موقف بروكسل وسط حرب إسرائيل ضد حماس في غزة”.
وشهد العام الماضي زيادة في التبادل الدبلوماسي بين العواصم الأوروبية والمنطقة لوقف تدفق الهجرة غير الشرعية.
ويتفاوض مسؤولو الاتحاد الأوروبي مع القاهرة على اتفاق دعم مماثل للذي تم التوصل إليه مؤخرا مع الحكومة التونسية، ويهدف إلى المساعدة في مراقبة الحدود، مقابل المساعدات المالية والاستثمار.
وعلى الرغم من أن تفاصيل الاتفاقية المقترحة لا تزال سرية، لكنها من الممكن أن تتضمن بنودا تتعلق بالواردات الغذائية.
كما يبحث الاتحاد الأوروبي الآن عن طرق لنقل الخبرة الأوكرانية في مجال الحبوب والزراعية، للتخفيف من انعدام الأمن الغذائي المستوطن في مصر.
فيما ذكر المستشار الألماني أولاف شولتز، أن أي اتفاق سيكون مقابل مساعدة القاهرة في إعادة المهاجرين غير الشرعيين.
وخلال قمة مجلس الاتحاد الأوروبي التي عقدت الأسبوع الماضي، كشفت رئيسة المفوضية أورسولا فون دير لاين، عن الصفقة المحتملة مع القاهرة، التي باتت مصدرا متزايدا للهجرة غير الشرعية إلى أوروبا.
ووفق الصحيفة، فإنه يبدو أن زعماء الاتحاد الأوروبي حريصون أيضا على الإعلان عن أنه كجزء من أي اتفاق مستقبلي، لن تضطر مصر إلى استقبال أي لاجئين من غزة.
وتقول الصحيفة: إن “استخدام الحبوب الأوكرانية لصالحها الدبلوماسي من شأنه أن يضرب عصفورين بحجر واحد بالنسبة للاتحاد الأوروبي”.
ولدى الاتحاد الأوروبي بالفعل اتفاقيات مع حكومات في ليبيا وتونس والمغرب.
ومن المعروف أن البيروقراطيين الأوروبيين يسرعون خططهم مع مصر خوفا من امتداد أزمة غزة وتعقيد العلاقات بين أوروبا والعالم العربي.
وكان السيسي قد هدد في وقت سابق، بأن مخططات إسرائيل وأمريكا لتهجير نحو مليوني فلسطيني من غزة إلى مصر، قد يواجهها السيسي بفتح حدوده مع أوروبا لنقل المهاجرين الفلسطينيين إلى أوروبا عبر مصر.
وكان الاتحاد الأوربي قد غازل السيسي في وقت سابق بفتح مسار آمن للحبوب والأسمدة الأوكرانية إلى مصر ، لمواجهة تدفق اضطراري لسكان غزة تحت نيران الصهاينة.
وكانت تونس قد تراجعت مؤخرا عن اتفاق مماثل بشأن عودة المهاجرين.
الإمارات في المضمار
في غضون ذلك، قال وزير الاستثمار الإماراتي محمد السويدي: إن “أبوظبي تدرس خطة واسعة لبدء استثمارات جديدة في مصر التي تكافح للخروج من قلب أزمة مالية كبيرة وتعاني من عجز بالأصول الأجنبية، وذلك بناء على توجيهات الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان”.
وبحسب بيان أصدره مجلس الوزراء المصري، ليل الثلاثاء – الأربعاء، عقب اجتماع السويدي مع رئيس الحكومة مصطفى مدبولي، في ساعة متأخرة من ليل الثلاثاء عقب عودة الأخير من شمالي سيناء، فإنه سيتم عقد اجتماعات مع عدد من المستثمرين الإماراتيين بهدف التوافق على عدد آخر من المشروعات، لم يحددها.
وتمثل الإمارات داعما رئيسيا لمصر، إذ قدمت دعما اقتصاديا شديد الأهمية على شكل استثمارات أو مساعدات أخرى، في وقت تواجه فيه مصر نقصا شديدا بالعملة الأجنبية، بعد الأزمة الروسية الأوكرانية التي دفعت لخروج نحو 22 مليار دولار من استثمارات الأجانب في أدوات الدين الحكومية.
يذكر أن شركة “جلوبال للاستثمار القابضة المحدودة” الإماراتية، استحوذت في سبتمبر الماضي على حصة 30% من أسهم الشركة الشرقية (إيسترن كومباني) المصرية المتخصصة بإنتاج التبغ والدخان، مقابل 625 مليون دولار، بالإضافة إلى توفير المشتري مبلغ 150 مليون دولار لشراء المواد التبغية اللازمة للتصنيع.
كما تتوسع استحواذات شركة الظاهرة الإماراتية على ملايين الأفدنة في توشكي والعديد من المناطق المصرية، بجانب الاستحواذ على الأصول الاقتصادية المصرية من فنادق وشركات ومصانع أسمدة وحديد وموانئ، مقابل دعم السيسي وتعويمه ماليا.
كما تقدم السيسي مؤخرا بمطالبات للإمارات والسعودية بطلب وديعة دولارية تصل لـ5 مليار دولار ، مؤخرا لسد العجز المالي الكبير.
ولعل التقارب والتماهي الإماراتي الإسرائيلي، المتمثل في تبني الرواية الإسرائيلية في عدوانها على غزة، قد يدفع المراقبين للذهاب للقول بأن هناك أجندة سرية إماراتية لتعويم السيسي ماليا، واسترضائه لتنفيذ مخطط تهجير الفلسطينيين إلى مناطق داخل مصر، وليس إلى سيناء، خاصة وأن قوانين الجنسية المصرية المعدلة تسمح بذلك، سواء أكان الأمر بدفع وديعة دولارية بأحد البنوك المصرية لمدة زمنية أو شراء أراض مصرية أو مساكن مصرية بالدولار، يمكن أن ينفذ من خلالها مئات الألوف من أهالي غزة، كخطوة أولى، في ظل تمسك السيسي الظاهري أمام المصريين برفض التهجير للفلسطينيين في سيناء. وهو ما ستكشف عنه الأيام المقبلة.