وافق مجلس نواب العسكر المصري 22 فبراير 2022 بغالبية ثلثي أعضائه ، على تعديل قانونا جهاز المخابرات العامة رقم 100 لسنة 1971، وأفراده رقم 80 لسنة 1974، ليتضمنا منح الجهاز الحق في تأسيس الشركات بجميع أنواعها ، أو المساهمة في شركات قائمة أو مستحدثة، وتعيين أعضائه كرؤساء أو أعضاء مجالس إدارة تلك الشركات بعد موافقة الجهاز.
إلى جانب إعادة معاملة رئيس الجهاز معاملة وزير ونائبه نائب وزير فيما يتعلق بالمستحقات المالية، فضلا عن ترتيب الهيكل الوظيفي للمخابرات.
التعديلات التي تبدو كحزمة امتيازات للجهاز الذي سعى السيسي لتصفية ضباطه القدامى وتعيين موالين له وعلى رأسهم مدير مكتبه عباس كامل ونجله محمود السيسي، جاءت في أعقاب امتياز آخر للمخابرات ، تمثل في السماح لها بإنشاء سجون في العاصمة الإدارية واحتجاز معتقلين بدعاوى الأمن القومي.
هذه التعديلات المتتالية محاولة من السيسي للمصالحة مع الجهاز الذي تولى نشر تسريبات عنه وعن أركان حكمه ، وبدا كأنه في صدام مع السيسي ربما لتضارب المصالح أو غياب المخابرات عن توزيع كعكة الامتيازات علي ضابط الجيش والشرطة عقب الانقلاب لإرضائهم.
فمنح المخابرات الحق في تأسيس الشركات بجميع أنواعها ، سبقه إصدار عبد الفتاح السيسي في يوليو 2015 قانون يمنحها إلى جانب وزارتي الدفاع والداخلية والأجهزة التابعة لهما الحق في تأسيس شركات حراسة المنشآت ونقل الأموال.
تولى محمود السيسي فعليا مسئولية الجهاز رغم النفي المتواصل لحد الحديث في وسائل إعلام أجنبية عن إعداده لوراثة أبيه لاحقا كما فعل مبارك وتسليمه ملف إسرائيل في المخابرات ، وهو أهم منصب بعد ملف فلسطين، كان مؤشرا واضحا على تمكنه من الاستحواذ على النفوذ داخل الجهاز.
التعديلات الخاصة بإنشاء المخابرات شركات جاءت بعد السماح للجيش والشرطة بالأمر بنفسه ، وجاءت في أعقاب كشف تسريبات بنك كريدي سويس امتلاك مدير المخابرات الراحل عمر سليمان 29 مليون دولار في البنك ما أثار تساؤلات في الشارع المصري.
القانون يبدو كأنه يبرر لمن هم في الجهاز حاليا أموالهم التي سيضعونها في المستقبل ببنوك سويسرا ، ويجعل الأمور طبيعية وليست بها شبة ، رغم ما يثيره ذلك من سخرية لعلم وكلاء الجهاز الأمني أن الامتيازات يحظى بها الكبار فقط أمثال عباس كامل ومحمود السيسي.
وفي 28 يونيو 2018، عيّن عبد الفتاح السيسي مدير مكتبه، اللواء عباس كامل، رئيسا لجهاز المخابرات العامة، إثر عزل القائم بأعمال رئيس الجهاز، اللواء خالد فوزي، على خلفية تسريب محادثات صوتية لأحد ضباط جهاز المخابرات الحربية، خلال إعطائه توجيهات لعدد من الإعلاميين والفنانات، تخص تناولهم قرارات وتوجهات القيادة المصرية الحالية، في إطار الصراع بين الأجهزة السيادية في مصر.
ولاحقا تم ترقية نجل السيسي ، وبات يسيطر فعليا علي الجهاز وتم تسليمه ملف العلاقات مع إسرائيل ، رغم أنه مسئول صغير وسافر لإسرائيل والتقى مسئولي المخابرات الإسرائيلية ضمن التنسيق المشترك لحماية حكم السيسي.
امتيازات مالية
برلمان السيسي سمح أيضا بتعيين أعضاء جهاز المخابرات كرؤساء أو أعضاء مجالس إدارة تلك الشركات بعد موافقة الجهاز، إلى جانب إعادة معاملة رئيس الجهاز معاملة وزير ونائبه نائب وزير فيما يتعلق بالمستحقات المالية، فضلا عن ترتيب الهيكل الوظيفي للمخابرات.
التعديلات التي تلاها رئيس لجنة الدفاع والأمن القومي، اللواء أحمد العوضي، على مسامع النواب والصحفيين في بداية الجلسة بشكل عاجل وغير مدرج على جدول أعمال الجلسة، لم يصحبها توزيع تقرير اللجنة المتضمن نص التعديلات ورأي اللجنة فيها على النواب والصحفيين.
حيث اكتفى رئيس اللجنة، اللواء السابق في الجيش أحمد العوضي، بتلاوة ملخص عن التقرير أمام النواب، ليُعلن بعدها ممثلو الهيئات البرلمانية للأحزاب موافقتهم من حيث المبدأ على مشروع القانون، وسط إشادات بالدور الوطني لجهاز المخابرات العامة في الحفاظ على الأمن القومي للبلاد.
وهو أمر نادر الحدوث داخل البرلمان، في الوقت نفسه، أخبر مسؤولو التحرير في عدد من الصحف مندوبيهم داخل مجلس النواب بعدم كتابة تفاصيل التعديلات ولا الموافقة عليها، بحسب ما قاله صحفيون برلمانيون لموقع "مدى مصر".
ولم يعترض أي نائب على عدم توزيع التقرير الخاص بالتعديلات عليهم ، فيما شهدت القاعة حضورا مكثفا من النواب من ممثلي جميع الهيئات البرلمانية، الذين وافقوا بالإجماع على التعديلات فور استعراض العوضي لها ومطالبته النواب بالموافقة عليها، استنادا لكونها تصب في خانة المصلحة العامة للبلاد وأمنها القومي، وأن التعديل جاء ليتواكب مع مستجدات العصر، مشددا على أن التعديلات تتضمن استبدال وإضافة بعض النصوص الجديدة لمشروع القانون بحيث يقوم هذا الجهاز بدوره على أكمل وجه.
تقنين السيطرة على الإعلام
والتعديل يقنن أيضا الوضع الغريب لسيطرة المخابرات العامة على شركات إنتاج الدراما وغيرها بأسماء شركات أو شخصيات أخرى ، ويجعلها تابعة لها مباشرة دون مواربة.
حيث يستحوذ جهاز المخابرات العامة على عدد من المؤسسات المالية الكبرى في مصر، ولعل أبرزها مجموعة "إيغل كابيتال للاستثمارات المالية" التي تمتلك بدورها "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية"، المهيمنة حاليا على أغلب وسائل الإعلام المصرية.
ويأتي التعديل في ضوء استحواذ جهاز المخابرات العامة على عدد من المؤسسات المالية الكبرى في مصر، ولعل أبرزها مجموعة "إيغل كابيتال للاستثمارات المالية"، التي تمتلك بدورها "الشركة المتحدة للخدمات الإعلامية"، المهيمنة حاليا على أغلب وسائل الإعلام المصرية.
وتمتلك "الشركة المتحدة" العديد من الصحف الرئيسية، مثل "اليوم السابع" و"الوطن" و"الدستور" و"الأسبوع" و"مبتدأ" و"أموال الغد" و"دوت مصر" و"صوت الأمة"، إضافة إلى مجموعة قنوات "دي إم سي" و"الحياة" و"سي بي سي" و"إكسترا نيوز" و"المحور" و"الناس" و"أون" و"تايم سبورتس" و"النادي الأهلي" و"نادي الزمالك"، وبرامج القناة الأولى والفضائية المصرية المذاعة على التلفزيون الرسمي، ومحطات الراديو "شبكة راديو النيل" و"ميجا إف إم" و"نغم إف إم" و"شعبي إف إم" و"راديو هيتس" و"راديو 9090".
كما تمتلك شركة "بريزنتيشن سبورتس" المحتكرة للأنشطة الرياضية الكبرى، وشركة "إستادات" التي تتولى ملف تطوير الملاعب المصرية، علاوة على مجموعة شركات متخصصة في الدعاية والإعلان، وأغلبها كانت لديها علاقات قديمة بجهاز المخابرات، أو مملوكة له بشكل غير مباشر، ومنها "ميديا هب" التي كان يتشارك في ملكيتها محمد السعدي وإيهاب جوهر، وشركة "بي أو دي" المملوكة لرجل الأعمال عمرو الفقي.